"من الظلّ".. أو رواية امتلاك العزلة

العزلة تجعل الفرد منّا يكتشف فيها نفسه وقدراته الحقيقيّة على الاختراع، وتصير فيه القراءة هي عالمنا الحقيقيّ
الثلاثاء 2020/03/24
الكتاب خير جليس

مثّلت جائحة فايروس كورونا الحدث الأبرز في العالم بهذه الآونة، تقوْقَعَتْ البلدان على نفسها خوفا من انتقال العدوى ثمّ انتقل هذا التقوقع إلى الأفراد أنفسهم بعد أن فُرض الحجر الصحيّ على مدن ومناطق سكنيّة بأكملها.

فُرضت عزلةٌ إجباريّة على الأفراد في شتى أنحاء العالم دون استثناء تقريبا، اتقاء لجحيم العدوى. لكن، يكمن الجحيم بأكمله في كلمة "عزلة" كما قال فيكتور هوغو صاحب رائعة البؤساء. صرنا بؤساء فعلاً في ظلّ هذا الحجر. أجبرنا  فايروس كورونا على العيش في عزلة مثل "أسماك الحنكليس، دائمة التسلّل إلى قيعان المياه المظلمة".

في الحقيقة، استعرتُ هذا التشبيه من الكاتب الاسبانيّ خوان خوسيه ميّاس عندما قرأتُ أواخر سنة 2017 روايته "من الظلّ" المنشورة بدار المتوسّط بميلانو وترجمها ببراعة واقتدار الكاتب والمترجم المصريّ أحمد عبد اللّطيف. وبما أنّه لن تنجح إلاّ الكتب في فكّ أسري من العزلة القسريّة التي أمرّ بها الآن، قرّرتُ إعادة قراءة الرواية.

الشبح وعشّ الدبابير

داميان لوبو رجل في الأربعينات من عمره، تمّ طرده من العمل بشركة مكث بها طويلا. هرب بعد أن سرق دبّوس ربطة عنق يحمل علامة «Sergio O’kane» ليختبئ وسط خزانة خشبيّة قديمة. تنتقل الخزانة بما فيها إلى منزل عائلة مكوّنة من ثلاثة أفراد: الأب والأمّ والبنت. اشترت الخزانة الأمّ لوثيا بعد أن وجدتها صدفة بمحلّ خردوات، لأنّها تعود إلى جدّيها وتذكّرها بطفولتها صحبة أخيها التوأم الذي مات.

يواصل داميان حلم يقظته الذي قاده ليتقمّص شخصيّة تحمل اسم علامة الدبّوس. يصوّر الحلم داميان مذيعا تلفزيونيّا داخل أستوديو برفقة جمهور غفير وهو يحاور سرخيو. ينتقل ذلك الحوار وسط رحلة داميان إلى منزل غرباء والسباحة وسط أسرارهم المظلمة. «كان مثل بقاء سمكة حنكليس في ثغرة بحريّة، أو مثل المكوث في فقاعة. العالم كان يتحرّك، الأرض كانت تطفو في الفضاء، وأنا كنت أترنّح كأنّي داخل كبسولة مثل رائد فضاء» كما يصرّح الراوي.

واقع متخيّل ينكشف فيه أمام جمهور خياليّ، وعزلة واقعيّة وسط خزانة يكشف فيها سرّ عائلة مجهولة. أمّا الشخصيّتان وسط الأستوديو فهما شخص واحد «أنا شخصٌ طيبٌ، لم أتسبّب في أذى لأيّ أحد، وهذا ما أبعدني عن العالم».

تتأرجح حياة بطل الرواية بين أمراض المجتمع المعاصرة التي تحدّث عنها ساراماغو وهي "العزلة، الثورة التكنولوجيّة والانجاز الشخصيّ".

تقود الأقدار داميان إلى التقرّب من لوثيا عبر الإنترنت، والتي تعتبره شبحا أحدث بعض التغييرات في منزلها. يكتشف الرجل الطيّب خيانة فيديريكو زوج لوثيا لها مع عاملة عنده، ومعها يعلم بحساسيّة فيدي للسعات الدبابير التي قد تؤدّي به إلى الموت. يقرّر القائد الشبح التدبير لقتل الزوج وفق خطّة محكمة التنفيذ وينجح في مهمّته بامتياز.

العزلة عالمٌ يُكسبنا نقاء الكريستال

داميان ضحيّة من ضحايا الرأسماليّة التي يعتبرها بلا روح، بعد أن تمّ طرده من وظيفته بعد سنوات طويلة. رجلٌ تعلّمَ ألاّ يثق بالأحلام كما يقول. أهمله والداه في طفولته ليعتنيا بأخته الصينيّة الكبرى المتبنّاة، لكنه يجد في خادمة صينيّة الحضن الدافئ. استغلّته أخته جنسيّا (...)، وقضّى حياته في البحث عن آسيويّات داخل المواقع الافتراضيّة. هو شخص فقد هويّته في ظلّ هذا الفضاء المُعَوْلَمْ ظاهريّا، لكن الحقيقة أنّ العولمة فَاقَمَتْ انطواء الشعوب على نفسها وعزّزت هواجس البشر بالسيطرة والتلصّص.

 نحن داخل عالمٌ لا يحترم خصوصيّة الأفراد، أين يسعى الكلّ لإدماج الكلّ في نموذج واحد أمّا الأيديولوجيّات فهي مجرّد أقنعة وهميّة لا غير. عالمٌ يعتبر هاجسه الأساسيّ المحافظة على صورته الناصعة، والفرد مثل «الإخطبوط لا يحتاج لفهم المحيط حتّى يعيش فيه» كما يقول الكاتب.

إنّ تلك الخزانة ما هي إلاّ حصان طروادة لفهم أسرار المجتمع الغربيّ الحديث، بما تختزنه من قدرة ظُلمة العزلة على الإبداع والتخييل. عزلة تجعل الفرد منّا يكتشف فيها نفسه وقدراته الحقيقيّة على الاختراع، وتصير فيه القراءة هي عالمنا الحقيقيّ. العزلة عالمٌ يُكسبنا نقاء الكريستال وهشاشته أيضا، «كان العالم يكتسب صفات الكريستال، كلّ شيء كان شفّافا بالنسبة له، كلّ شيء -يأتي مع ذلك- من عالم معتم، ظلّ فيه على الدوام مرتابا من ذكائه» تصرّح الشخصيّة الرئيسيّة للرواية.

جعلتني الظروف الرّاهنة أنظر إلى العالم من خزانتي الإجبارية هذه الأيام -المنزل الذي لا تتجاوز مساحته 67متر مربع- واخترتُ أن أقرأ. أنقذتني القراءة من الجنون الذي يصيب عالمنا اليوم، من كلّ تلك الشاشات اللامعة التي تُصدّر الأخبار والأكاذيب، ومن المواقع الافتراضيّة والصّور والإشاعات ومن عدوى الخوف. ولكنّها أجبرتني أيضا على مزيد من الشكّ والأسئلة، تماما مثل ذلك "الشبح" الذي اختار العزلة وابتدع شخصيّة لها جمهورا ثمّ صار شبحا مُخَلِّصًا. توقظ العزلة الوعي أو الخوف، وترتبط اختياراتنا داخل ذلك بما نصبو إليه: إمّا العدوى أو الحريّة، أو كما وصف ذلك أحد الشعراء "الحريّة هي امتلاك العزلة، حرّ أنت إن استطعت الابتعاد عن النّاس، دون أن تُجبر على اللّجوء إليهم".

وخوان خوسيه ميّاس، كاتب إسباني ولد ببلنسيّة سنة 1946 ويعيش منذ سنة 1952 بمدريد. درس الفلسفة وعمل مدرّسا ومحرّك عرائس وساعي بريد قبل أن ينشر روايته الأولى سنة 1974 «العقل هو الظلال» وتحصّل بها على جائزة سيسامو سنة 1975. لاقت أعماله النثريّة الغزيرة استحسان عديد الجوائز الأدبيّة العالميّة وترجمت إلى أكثر من خمسة عشرة لغة. له «امرأتان في براغ» و«لا تنظر تحت السرير» و«أحمق، ميّت، ابن حرام وغير مرئي» وغيرها. يقول الناشر«يعدُّ مياس أبرز الكتّاب الذين أعادوا المجد للخيال في الرواية الاسبانية وأحد منقذيها من فخّ الكتابة المباشرة عن الحرب الأهليّة، والتورّط التامّ في الواقع، إذ خلق بعوالمه الأصيلة قدرات فنيّة لتناول الواقع، هاما هذا الجدار الوهميّ بين الواقع والخيال، ومتوغّلا في الذات الإنسانيّة لأكثر درجاتها عُمقا».