من العراق إلى تونس: من أيقظ الجهاديين؟

الجمعة 2013/08/23

من زوايا العراق إلى زوايا الضاحية الجنوبية لبيروت مرورا بزوايا سوريا، وانتهاء بجبال الشعانبي في تونس وامتداداتها الأفريقية، تنبسط لوحة واحدة وجب تأملها لمحاولة فهم تصاعد التفجيرات المنسوبة لتنظيم القاعدة وأخواته. المشهد إجمالي، ومن السذاجة قراءته بشكل محليّ صرف.

شيءٌ ما أعاد للجهاديين حراكا كان يُفترض أن الآلة القمعية البيتية والدولية قد أصابته بشلل. شيء ما رفع من منسوب الخطر القاعديّ رغم الحملة الفرنسيّة في مالي، ورغم الضربات الجوية الأميركية في اليمن وباكستان والصومال. تمكن الجهاديون من أن يصبحوا الرقم الصعب في المعادلة السورية، كما عادت القاعدة في العراق تصول وتجول بعد أن همدت «الصحوات» أو باتت صاحية باتجاهات أخرى.

لا يغيب عن ذهننا ما لأجهزة المخابرات العربية والإقليمية والدولية من باع طويل في تحريك بعض، وقد يكون معظم الجماعات (رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا ألمح مؤخرا إلى ضلوع حكومة المالكي في الهروب الجماعي لسجناء جهاديين في العراق). وكم تحدث خبراء تنظيم بن لادن عن «قاعدة» سورية، «قاعدة» إيرانية، «قاعدة» سعودية وقاعدة إسرائيلية (اتهام حزب الله لإسرائيل بالوقوف وراء تفجير الضاحية وترجيح نصر الله قيام التكفيريين بذلك فيه مفارقة قد تقود إلى مطابقة). لكن العامل المُخابراتي التقليديّ لا يحجبُ حقيقة أن عودة الروح للنشاط الجهاديّ لها مُحفّزات موضوعية طارئة.

يجودُ حراك الجهادييّن في حقول تغيبُ عنها الدولة كمنطق وممارسة، وتنمو فيها الفوضى والعبث. هي هكذا تلك الحقول في اليمن وتونس، كما في العراق وسوريا ولبنان ومصر. في سعي تلك البلدان (لا الدول) لاستعادة أشلائها وتجميع قواها واختراع هوياتها، تغيب الدولة تاركة الفضاء العام للفوضى الشاملة. في تلك الفضاءات يترعرع الجهاديّون وينشط سعيهم.

أخرجت الثورات العربية عديداً من الجهاديين من السجون كونهم كانوا فيها ضحايا للأنظمة المنقرضة. وأعادت هذه الثورات الجهاديين من المنافي التي أبعدوا إليها فرارا من تلك الأنظمة. وتولت أنظمة تكافح معارضيها (الحالة السورية مثلا) إطلاق الجهاديين من السجون لعل في ذلك إغراق للثورات في تطرف محسوب يبرر لتلك الأنظمة ديمومة وبقاء.

في مصر، قبل أشهر، أي قبل «30 يونيو» وتوابعه، بثت إحدى القنوات المصرية جدلا مباشرا علنيا بين أحد شيوخ الجهاديين وأحد ضباط الجيش المصري المتقاعدين. استنكر الضابط قيام الجهاديين بخطف جنود مصريين في سيناء متسائلا: «كيف تفعلون ذلك بعد الثورة وسقوط النظام السابق، أين كنتم أيام مبارك»، فأجابه الشيخ الجليل بثقة لافتة: «كنا في السجن».

هي هكذا المسألة ببساطة. لا تعايش بين الجهاديين والمجتمعات الراهنة. فإما هي «في السجن» (أي ملجومة بأدوات القمع) أو هي بمواجهة مفتوحة مع النظام والمجتمع والعالم. لكن جديد السلوك الجهادي هذه الأيام يختلف عن تجاربهم السابقة. فالجماعات كانت تعمل ضمن تشكيلات معزولة عن المجتمع وتمارس عنفها وفق مبدأ «الفرقة الناجية» التي تعتبر أن العدو هو من ليس منا. واليوم أضحت هذه الجماعات تتحرك داخل بيئات حاضنة لطالما فقدانها (في العراق مثلا) كان مقتلا لوجودها وسببا لاندحارها.

ولرواج البيئات أسباب يجدر تأملها. يستند الجهاديون في ممارساتهم على قاعدة الدفاع عن اسلام أهل السنة. بيد أن السنة في المنطقة العربية لم يأنسوا لخطاب الجهاديين وثقافتهم وبقوا متمسكين بتطلعهم لبناء الدول، فبقيت الظاهرة الجهادية هامشية ثانوية. وربما بسبب ذلك قامت الصحوات العراقية تفتك بالقاعدة دون خجل ولا وجل، وربما بسبب ذلك بارك السنة في لبنان قضاء الجيش على جماعة فتح الاسلام في شمال بلادهم قبل سنوات، ولم يمانعوا في القضاء على ظاهرة الشيخ أحمد الأسير في جنوبه قبل أشهر.

ليس للجهاديين برنامج لبناء الدول ولا إقامة الحكومات ولا هم معنيون بعمليات سياسية أو اصلاحات دستورية. فكل ذلك عندهم سيان على طريق العودة إلى دولة الخلافة. لكن للجهاديين خطاب بدأ يطرب له الكثير، من «مقت لأعداء السنة» وتكفير لهم، ومن استغلال لمشاعر المظلومية التي ما فتأت تتصاعد هنا وهناك (لاسيما في العراق وسوريا ولبنان) في تلك المبارزة الطائفية السياسية بين السنة والشيعة.

تولّت المظاهرات والاعتصامات في أنبار العراق ومناطق سنية أخرى، تغذية حراك سني تصاعدت مظلوميته للدفاع عن حقوق السنة (البعد الطائفي لتلك المطالب أبعد عنها شخصيات كصالح المطلق ومقتدى الصدر، كما زعما).

تراجعَ منطق الصحوات التي راجت في تلك المناطق ضد القاعدة، وتقدم بالمقابل، للمفارقة، منطق القاعدة ليجد له بيئة حاضنة ضد الخصوم الحاكمين. على منوال المظلومية السُنيّة في العراق نمت مشاعر مظلومية مفترضة للسُنّة في سوريا، أمعن قمع النظام وعنفه في تأصيلها منذ انطلاق حراك السوريين. وربما هي نفس المظلومية التي صارت خطابا يلقى رواجا في لبنان أمام تعملق حزب الله وتمتعه بما أصبح يعرف بـ»فائض القوة»، دون أن يكترث الحزب لما لسلوكه في لبنان وسوريا من تجذير لذلك الشعور بالمظلومية.

وإذا ما كان الجهاديون يتغذون من تصاعد مشاعر المظلومية عند السنة، فإن عوامل أخرى تجر مياها إلى طاحونتهم. فالنموذجان التونسي والمصري في أيام «ربيعهما» الأولى، بشرت بسبل سلميّة حضارية لإسقاط الأنظمة، بما يطيح بكل ما ساقته الجماعات من نظريات عنف لمحاربة تلك الأنظمة. بيد أن انهيار «السلموية» منذ التجربة الليبية انتهاء بتلك السورية، أعاد شحن المحركات الجهادية بمبررات البقاء. وتضاف إلى ذلك مياه أخرى مصدرها فشل الإسلام الإخواني في مصر كما في تونس (ناهيك عن ذلك في غزة)، في إنجاح تجربة حكم تستغني عن خدمات الجهاديين واجتهاداتهم (بعض الاستراتيجيات الغربية كانت تعول على حكم إخواني يسيطر على الجهادية في العالم).

وفق تلك المعطيات يتعامل الجهاديون مع المنطقة برمتها كساحة معركة واحدة وإن تعددت محاورها. فلا يجب فصل تصاعد وتيرة التفجيرات في العراق عن هجمات الجهاديين في سوريا، عن تفجيرات الضاحية في لبنان وما قد يليها، عن معركتي الشعانبي في تونس وسيناء في مصر. يستفيد الجهاديون هذه الأيام من غياب استراتيجية دولية (غربية- روسية- صينية) لترتيب أمور منطقتنا، وما يواكب ذلك من تكشير عن تناقض وتصارع في مقارباتها في سوريا ومصر، كما في اليمن وتونس والعراق.

وبانتظار الانتهاء من ورشة الترتيب بعناصرها المحلية والعربية والاقليمية (الإيرانية- التركية- الإسرائيلية) والدولية، وبانتظار انتهاء الصراع ضد الإخوان إلى خواتيم ما، تبقى المقاربة الأمنية العسكرية وحدها ناشطة لضبط عقارب المنطقة على توقيتات لا تسيطر عليها الجهادية التي تعمل وفق رؤى من خارج هذا الزمن.

8