"من الفرضاني" يعيد وصل ما انقطع من حكايات زنجبار

صدر للأكاديمي والباحث العماني محمد المحروقي عن مؤسسة بيت الغشام بمسقط كتاب “من الفرضاني: يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبر الأفريقي”، وهو عبارة عن مذكرات سجلت في عام 1992 خلال رحلة بحثية قام بها المحروقي إلى زنجبار.
السبت 2015/10/03
الكتاب يكشف رحلة المحروقي إلى زنجبار على مدى اثنين وعشرين يوما

مسقط- يسرد كتاب “من الفرضاني: يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبر الأفريقي” للباحث العماني محمد المحروقي، بلغة لا تخلو من الطرافة، أحداث الرحلة على مدى اثنين وعشرين يوما امتدت من الأول من يوليو حتى 22 من الشهر نفسه عام 1992. ويشير المحروقي في مفتتح كتابه إلى أن الهدف من الرحلة إلى زنجبار -التي يصفها بالأرض الحبيبة تارة وبالفردوس المفقود تارة أخرى- ذو شقين: الأول موضوعي والثاني ذاتي:

أما الموضوعي فهو التنقيب في أرشيف زنجبار عن ديوان شعري وعن قصيدة ضائعة للشاعر العماني أبي مسلم البهلاني، الذي أنجز عنه رسالته العلمية التي حملت عنوان “أبومسلم البهلاني شاعرا”، أما السبب الذاتي الذي يفوقه أهمية فهو تلبية رغبته الدفينة في مشاهدة المكان الذي سمع عنه في طفولته، وعن حكايات المهجر الجميل، و”أغاني الطفولة التي ترقد في مكان عميق من ذاكرة الطفل” الذي كانه.

يستند الكتاب في مادته على “دفتر بنفسجي” صغير ابتاعه من زنجبار وحرص على تسجيل مشاهداته فيه خلال مراحل مختلفة من الرحلة، ثم أهمله على ما يبدو لما يزيد على عقد من الزمن، وعندما عاد إليه وجد فيه من المتعة والطرافة ما أحب أن يشاركه قارئه إياهما.

ويقول المحروقي في تفسير كلمة “الفرضاني” الواردة في عنوان كتابه: إنها مأخوذة من الكلمة العربية “الفرضة” وهي “محط السفن من البحر” كما ورد في القاموس المحيط، وكما يشيع في الكتابات التاريخية وفي الاستخدام اللهجي. وعندهم هي مكان للترفيه على شاطئ البحر كان قديما ميناء للسفن. أما الآن فهي مقصد المستجمين من الأهالي والزوار يقصدونه للترويح عن أنفسهم. يضيف الكاتب “وقد أسميت هذه السلسلة بهذه التسمية إشارة إلى تمازج الأثرين، العربي والأفريقي الذي أنجب ثقافة أخرى تتصل بالاثنين بدرجة وشيجة”.

ومن ناحية أخرى وبسبب الفارق الزمني الطويل بين تدوين الملاحظات، وإعادة كتابتها ضمن كتاب، فقد اعتمد الكاتب كليا على دفتر ملاحظاته، بعدما اكتشف عجز ذاكرته عن تذكر تفاصيل مهمة من حكايات ومواقف حدثت في مناطق مرّ بها في أول رحلته قبل اقتنائه للدفتر، ولم يكن من السهل استعادة الأحداث من محض الذاكرة، إذ يقول المحروقي: دفتري البنفسجي لا يسجل كل لحظات تلك الرحلة الجميلة، وأجد أن الذاكرة -التي طالما تغنيت بها- لا تسعفني بتكوين مشهد متكامل، لهذا السبب بقيت الصفحات الخاصة بزيارة “ممباسا” بيضاء كالثلج، ولا تحضر في الذاكرة سوى لقطات متفرقة لأماكن ووجوه خبرناها في هذه الرحلة.

ومثلما أسقط الدفتر ملاحظات ومشاهدات لبعض المناطق، فإنه أثبت في المقابل إشارات سريعة قد لا تبدو ذات أهمية كبيرة للقارئ، منها على سبيل المثال المبالغ التي صرفها الباحث ومرافقوه في ممباسا على وجبة غداء أو في شراء بعض الفاكهة.

أراد المحروقي لهذه المذكرات أن تصل إلى القارئ كما كتبها لأول مرة محتفظة بدهشتها الأولى بعين طالب شاب يسافر لأول مرة، ولا يبدو أنه أحدث تغييرات كبيرة على ما سجله في دفتره البنفسجي، رغم أنه سافر بعد تلك المرة “الأولى” إلى زنجبار ورآها بعين أخرى، مكتفيا ببعض سطور لا تجاوز صفحة واحدة في كل من المقدمة التي أطلق عليها عنوان “مفتتح غير مهم”، والخاتمة التي أسماها “مختتم يمكن الاستغناء عنه”، وقد كتب الاثنتين المقدمة والخاتمة في بيدفورد عام 2006.

لا يستطيع قارئ هذه المذكرات أن يغفل ملاحظة الفارق الزمني الطويل بين اللحظات الثلاث: التدوين المتزامن مع الرحلة في يوليو عام 1992، وكتابة المقدمة والخاتمة في بيدفورد في يوليو عام 2006، ثم إصدار الكتاب، فللكتاب على حجمه الصغير (59 صفحة) ثلاث ذاكرات متباعدة.

ويبقى كتاب “من الفرضاني” كتابا مهما يضاف إلى أدب الرحلات في عمان، ورابطا أدبيا يوصل ما انقطع في تاريخ الجغرافيا العمانية، عبر رحلات البحث العلمي التي يقوم بها الطلبة العمانيون، سعيا خلف هواجسهم البحثية ورغباتهم الكامنة في السير على خطى الأجداد وذكريات الأمس وأغاني الطفولة التي أسهمت في تكوين حكايات الصغر.

17