من القذافي.. إلى بن لادن و"أبو أنس الليبي"

الجمعة 2013/10/18

أصبحت ليبيا بلد العجائب والغرائب. هل يعقل أن يكون خيار المواطن الليبي محصورا بين معمّر القذّافي وأسامة بن لادن.. أو «أبو أنس الليبي». إنه المواطن الليبي المتهم بالإرهاب والذي اختطفته القوات الخاصة الأميركية من طرابلس قبل أيّام تمهيدا لمحاكمته. وسيمثل، وقد مثل فعلا، أمام محكمة أميركية في نيويورك.

من يستعرض ما شهدته ليبيا من أحداث بعد اعتقال الأميركيين لـ»أبو أنس الليبي» لا يخاف على مصير الأخير، المتهم بالانتماء إلى «القاعدة» والمشاركة في التخطيط للعمليتين الإرهابيتين اللتين استهدفتا السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام في العام 1998. من يستعرض ما حصل في طرابلس وبنغازي، إنما يخاف على ليبيا كلّها، وعلى كلّ الدول التي حولها، وعلى كلّ مواطن ليبي يحلم بمستقبل أفضل.

في طرابلس خُطف رئيس الوزراء علي زيدان في ظروف غامضة أو واضحة أكثر من اللزوم. كان الهدف من خطفه مبادلته بـ»أبو أنس». استعاد زيدان حرّيته وفق شروط لم تتضح بعد.

كلّ ما يمكن قوله أن دعوة الرجل إلى التهدئة تعني أنه بات يحسب ألف حساب وحساب للخاطفين الذين طوّقوا الفندق الذي يقيم فيه وأخذوه منه تحت تهديد السلاح. وتشير أنباء أكيدة إلى أن الإخوان المسلمين استغلوا مناسبة خطف الأميركيين لـ»أبو أنس الليبي» كي يسعوا إلى تنفيذ محاولة انقلابية يظهر أنها باءت بالفشل، أقلّه إلى الآن.

في بنغازي لم يُخطف أحد. لكن مئات المتظاهرين نزلوا إلى الشارع رافعين صور أسامة بن لادن وأعلام «القاعدة» منددين برئيس الوزراء بسبب موقفه من خطف «أبو أنس».

في الواقع، اتخذ علي زيدان موقفا معارضا لعمليّة الخطف، لكنه أبدى حرصا على العلاقات مع الولايات المتحدة. بدا وكأنّ في فمه ماء، خصوصا أن من يمتلك حدا أدنى من المنطق يعرف أنّ ليس طبيعيا أن يقيم شخص مثل «أبو أنس الليبي»، متهم بالضلوع في تفجيرين إرهابيين تسببا بوقوع مئتين وأربعة وعشرين قتيلا ومئات الجرحى، معززا مكرّما في مدينة مثل طرابلس. كان وجود «أبو أنس» في طرابلس إدانة ليس بعدها إدانة لليبيا الجديدة، ليبيا ما بعد القذّافي، الذي لم يتردد في إيواء إرهابيين من كلّ الأنواع، من بينهم الفلسطيني «أبو نضال» لأسباب لا علاقة لها بأيّ منطق كان. لم يقتصر إيواء ليبيا- القذافي للإرهابيين على «أبو نضال» ومن على شاكلته، بل حوت كلّ من كان استعداد للتخريب في هذه المنطقة العربية أو تلك. وصل بها الأمر إلى حد دعم جبهة «بوليساريو» التي تستخدمها الجزائر في شنّ حرب استنزاف غير مباشرة على المغرب.

باختصار شديد، بقيت ليبيا في مرحلة ما بعد سقوط نظام معمّر القذّافي ملجأ للإرهاب والإرهابيين. أسوأ ما في الأمر، أن المسألة لم تعد مرتبطة بمزاج شخص مريض نفسيا مثل القذّافي.

هناك ما هو أخطر بكثير من ذلك. هناك مزاج عام لا يرى مشكلة في حماية الإرهاب، ولا يرى مشكلة في رفع أعلام «القاعدة» وصور بن لادن.

الأكيد أن المسؤولية لا تقع على الذين ساعدوا في تحرير ليبيا من نظام مجنون استمر اثنين وأربعين عاما، وبين هؤلاء الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلف شمال الأطلسي عموما. هذه القوى الغربية سعت بكلّ بساطة مع دول عربية محترمة إلى تمكين الشعب الليبي من استعادة حريته وبناء مستقبله.

كان همّ معمّر القذّافي محصورا في نشر البؤس وحرمان الشعب من ثروات البلد وتنفيذ سياسات تؤدي إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الليبيين من أرضهم، علما أنّه لا يمكن الاستخفاف بأنه استطاع في كلّ مرحلة من المراحل إقامة تحالفات ذات طابع قبلي ومناطقي. مكّنت هذه التحالفات، التي استخدم فيها المال، نظامه من الاستمرار طوال هذه السنوات الطويلة.

المؤسف أن الذين خلفوا القذّافي ليسوا، في معظمهم، أفضل منه. ليس معروفا هل يبقى البلد موحّدا، خصوصا أن هناك قوى قبلية قادرة على التحكّم بمناطق معيّنة من دون حسيب أو رقيب. الدليل على ذلك، أن سيف الإسلام القذّافي نجل الزعيم الليبي الراحل في يد قبائل الزنتان التي تحتفظ به وترفض نقله إلى طرابلس منذ إلقاء القبض عليه قبل نحو عامين.

من يتمعّن في المشهد الليبي الحالي يتبيّن له أن القذّافي ما زال ينتقم من الليبيين على طريقته. ترك للذين خلفوه مجتمعا ممزقا يصعب إعادة اللحمة إليه، أقلّه لسببين.

السبب الأوّل عائد إلى الفكر الديني المتطرف الذي ينتشر انتشار النار في الهشيم في غياب الحدّ الأدنى من الثقافة والتعليم اللذين حرم القذّافي مواطنيه منهما طوال أربعة عقود.

سبب الآخر، فعائد إلى انتشار السلاح في كلّ بقعة ليبية. لم تعد مخازن السلاح هذه، الموجودة بكثرة، تشكّل تهديدا للداخل الليبي وحده.

أصبحت خطرا على دول الجوار، من بينها مصر والجزائر وتونس… وكلّ دول الساحل الأفريقي حيث انتشار كبير لـ»القاعدة».

الأخطر من ذلك كلّه أن لا تعاون إقليميا حقيقيا على الصعيد الأمني لمواجهة الإرهاب، خصوصا أن الجزائر مهتمة بالحرب غير المباشرة التي تشنّها على المغرب.. بواسطة أداة اسمها «بوليساريو» وليس بالحرب على الإرهاب ومنابعه.

خلاصة الأمر أن ليبيا في وضع لا تحسد عليه. انتقل الليبيون من عصر القذّافي إلى عصر بن لادن بلمح البصر.

ليس ما يشير إلى أن لديهم خيارا آخر في المدى المنظور. إنّهم في حاجة إلى أعجوبة في وقت ولّى زمن العجائب.


إعلامي لبناني

8