من الكاريكاتير إلى التشكيل.. فارس قره بيت ورحلة تألق

الأربعاء 2014/01/22
رسومات قره بيت مزيج بين الكاركاتير والفن التشكيلي

دمشق- هناك، في إحدى ضواحي دمشق، مطلا على جبل وثلج خجول وقصر مهيب، يقطن رسام الكاريكاتير السوري فارس قره بيت، من مواليد سنة 1963، بضعة حواجز تفصله عن مكان عمله، منزله مليء بلوحاته ورسوماته المختلفة، أيقونات لأوجه غير محدّدة الهوية تملأ الجدران، يستعيد فيها الفنان وجها ضائعا رآه حينما كان صغيرا.

قره بيت يصف نفسه بصاحب المشروع المؤجل تشكيليا، لكنه حاضر يوميا في الكاريكاتير، ينشر لوحاته في موقع “MSNBC” وصحيفتي الراية والوطن والصحف العربية والعالمية الأخرى، ويحلم بإكمال مشروعه التشكيلي.


كاريكاتير فتشكيل


يقول الفنان قره بيت إن الكاريكاتير لم يكن خيارا، مضيفا: “علاقتي مع هذا الفن ابتدأت منذ الطفولة في منزل أقربائي في بيروت، حيث كنت أتابع بنهم الجرائد اللبنانية الغنية بالكاريكاتير، ما لفت نظري هو رسوم لأشخاص ذوي رؤوس كبيرة وأجسام صغيرة، بعد سنوات استعدت صلتي مع الكاريكاتير بسبب قضية “كامب دايفيد” التي أدّت إلى نشاط العمل الكاريكاتوري في العالم العربي وصحفه التي كانت سابقا محايدة في علاقتها مع الكاريكاتير السياسي، حينها بدأت بعملية النسخ لبعض الرسامين، وأدركت أن وسيلة التعبير هذه هي الأقرب إليّ”. لقد كنت أمام طريقين في البداية أردت أن أكون ممثلا، لكني قررت في آخر لحظة الانتساب إلى كلية الفنون الجميلة”.

حول انتقاله من فن الكاريكاتير إلى الفن التشكيلي، وهو المشهور كـ”كاريكاتيريست”، يذهب الفنان إلى أن المفارقة تكمن هنا، فمعظم الذين زاروا معرضه التشكيلي الأول عام 2010 ظنوا، بسبب ما رأوه، أن لديه تجربة طويلة في مجال التصوير، والحقيقة، بالنسبة إليه، أن الفن التشكيلي كان مشروعا مؤجلا، يقول: “لكنني لجأت إليه مؤخرا لكونه يكسب الفنان تجربة مميزة، وجعلني أسجل نقطة في سجلي أنني لست فنان كاريكاتير فحسب، بل أنا أيضا فنان تشكيلي، هذا التعدد كان سلبيا، لذلك اخترت الكاريكاتير نهاية، كي أكثف جهودي ونتاجي في مجال واحد”.

فارس قره بيت: الكاريكاتير لغة الشارع، وقد وجد لنفسه الآن قناة جديدة، مكّنت أي شخص من أن يكون رساما.

وعن سؤالنا حول كون الكاريكاتير أكثر جماهيرية من الفن التشكيلي بسبب اعتماده على الصحف كوسيلة للتلقي، وما مدى الصعوبات التي يواجهها هذا الفن؟ يجيب قره بيت: “أظن أن الكاريكاتير يعيش أزمة عالمية، وهو يحارب ضمن أهم قنوات انتقاله، وهي الصحافة. لكن الكاريكاتير لم يعد يمتلك ألقه، بسبب ظهور لغة جديدة وأسلوب تعبير جديد، متمثل في وسائل الاتصال الحديثة والفيسبوك وغيرها، فالكاريكاتير لغة الشارع، وقد وجد لنفسه الآن قناة جديدة، مكّنت أي شخص من أن يكون رساما، وينشر عمله، لكن الاختلاف يكمن في مقدار الاحتراف، والآن أجد العديد من المنافسين الجدد لي على صفحات الفيسبوك، لكن الاختلاف كما قلت بالاحتراف، فهناك أفكار جميلة، لكن غير قادرة على الاستمرار، بالتالي لا بدّ لفنان الكاريكاتير من أن يجد لنفسه لغة وأساليب تعبير جديدة، فظاهرة الـmemes تعتبر نوعا من الكاريكاتير الخالي من الحرفية والسمات الفنية، لكنه قادر على نقل الحالة والتعبير عنها”.

حول الارتباط الأزلي بين الكاريكاتير والحدثين السياسي والاجتماعي، وعن كيفية اختياره للمواد الخام لرسوماته، وهل من معايير يتخذها في هذا الاختيار؟ يؤكد قره بيت على أنّ الصحافة العربية عموما بعيدة عن الحدث السياسي، باستثناء بعض البلدان كلبنان ومصر، حيث ارتبط الكاريكاتير فيهما بالحدث السياسي، أما في باقي البلدان فإن الأمور مختلفة، فهناك العديد من العوائق الرقابية، يسترسل قائلا: “كنا نرسم عوالم افتراضية ومشاكل افتراضية، بالنسبة لي مررت بتحول هام حين ارتبطت رسوماتي بالحدث اليومي وضرورة مقاربته، فالابتعاد عن الحدث سيفقدني مصداقيتي، وفي هذه النقطة سقط العديد من الفنانين في تحدّي الكاريكاتير، إذ على الفنان أن يكون قادرا على إبداع لوحة فنية يومية مرتبطة بالحدث لم يعالجها أحد من قبل”.

الخطوط الحمراء موجودة، ولا يمكن تجاوزها في عالمنا العربي إلا في حال كان الفنان لا يخاف على حياته، أنا لا أدعي أني فدائي أو مقاتل


الفنان والرقيب


أما في خصوص علاقته بالرقيب، فيعتبر أنّ المعايير الرقابية الموجودة هائلة، وتختلف الاعتبارات بين البلدان، حيث أصبح من النادر أن ينفذ كاريكاتير إلى الصحيفة دون أن يمرّ عبر سلسلة من الرقباء، إذ قد يرى أن بعض الصحف العربية وجدت حلا سريعا، قائما على توظيف أشباه رسامين يقدمون ما تريده المؤسسة لتصبح اللوحة “مفصّلة” بما يتوافق مع المؤسسة وميولها دون اللجوء للرقيب، فالرسام الموظف هو الرقيب نفسه، مما جعل الكاريكاتير يتحوّل إلى ديكور، أما الفنان ذو القضية فهو غير مرحب به، حسب قرة بيت.

يواصل في هذا الخصوص مؤكدا أنّه على عكس بعض رسامي الكاريكاتير الذين يسعون إلى تحويل منجزهم إلى وثيقة تاريخية تنتقد المؤسسة وسلوكها، فهو يرى أنّ هذا الموضوع يأتي بحكم العمل وتراكم الخبرة، إذ من الممكن أن تتحول هذه الرسوم إلى وثائق تاريخية، وبالتالي لا بدّ من ربط اللوحة الكاريكاتورية مع الحدث التاريخي لتحافظ على سياقها. أما عن الخطوط الحمراء، وهل واجه مشاكل مع المؤسسة الرسمية في سوريا؟ فيقول رسامنا: “الخطوط الحمراء موجودة، ولا يمكن تجاوزها في عالمنا العربي إلا في حال كان الفنان لا يخاف على حياته، أنا لا أدّعي أني فدائي أو مقاتل، لأن حياتي هي المهددة في هذا الموضوع، هنا تكمن أهمية البعض كناجي العلي الذي مزج فنه بدمه، لم يكن حالة مزيفة، هو مثال صارخ ولم يهادن أبدا، دفع حياته ثمنا، لكني لا أظن أني أمتلك هذه الشجاعة”. وعمّا حدث مع علي فرزات وهل يعتبره ضريبة على الفنان دفعها؟ يقول: “علي اتخذ قرارا، وهذه النتيجة هي جزء متوقع من هكذا قرار، لا يمكن إدانة علي، فهو مثال على أن الفنان يمكن أن يتعرض للقتل بسبب فنه، هذا ما يؤكد على قوة الكلمة أو قوة اللوحة، فالمعركة مع الفنان غير متكافئة، والفنان هو الرابح دائما”.

16