من الكتابة عن الطفل إلى الكتابة له

السبت 2013/12/14
ثلاثة كتب فرنسية من الشعر إلى الفلسفة مرورا بالفن التشكيلي موجهة للطفل

باريس- اصطحبنا مدير قناة جزيرة الأطفال في جولة باستديوهات القناة نزولا عند رغبة شاعر عربي مرموق ألحت عليه ابنته الصغيرة لرؤية إحدى الشخصيات ببرنامج للأطفال كانت محببة لديها، وقد قال:"يجب التمييز بين الكتابة عن الطفل والكتابة للطفل"، وهو قول أتذكره الآن باعتبار أن الكتابة عن الطفل تكون موجهة للكبار، أما التي توجه إلى الأطفال فتحتاج إلى عناية أكبر سواء من حيث الأسلوب أو من حيث القاموس اللغوي المعتمد.

كان حديث المدير المصري شيقا وهادفا خصوصا حين أشار إلى وجوب وضع ميثاق أخلاقي لمهنة التعامل مع الطفل، الشيء الذي اعتمده بمجرد توليه تلك المسؤولية كما وضع قائمة للكلمات التي يمنع منعا كليا أن يسمعها أو يقرأها الطفل، اعتبارا لنعومة شخصيته التي هي في طور التكوين.

وفي الموضوع ذاته، تجدر الإشارة إلى أن المكتبة العربية تفتقر حاليا إلى الكثير من الكتب الموجهة إلى الطفل مقارنة بمثيلاتها في الغرب. فمجموعة من مجالات العلوم الإنسانية أو العلوم البحثية لا يلجها الطفل العربي إلا وقد اشتد عضده أو تفرضها عليه المناهج الدراسية، دون أن تتاح له الفرصة ليطلع عليها منذ نعومة أظافره، بطريقة مسلية ومفيدة توسع مداركه وتؤهله لاستيعابها بشكل أفضل حين يكبر.

إنه مجال خصب وواعد يجب الاهتمام به وإثراؤه سواء بإنتاج إبداعات عربية وإسلامية أو من خلال إعادة الإنتاج الذي تخوله الترجمة. هكذا، نقترح عليكم مختارات من الموسم الأدبي؛ ثلاثة كتب موجهة للطفل، صدرت بدور النشر الفرنسية، من الشعر إلى الفلسفة مرورا بالفن التشكيلي.


تركت روحي للريح

ألبوم يحرك أحاسيس البالغين والصغار


إنه ألبوم رائع، غاية في الرقة، تقترحه هذا الموسم منشورات لامارتينيير، من شأنه أن يحرك أحاسيس البالغين والصغار سواء بسواء، للتوزيع والتقاسم دون عدّ، للقراءة وإعادة القراءة، للسماع دون انزعاج. يُنصح جدا بقراءته بصوت مسموع، فرنات كلماته وترنيماتها، موازين جمله وإيقاعاتها، تحدث وقعا هادئا وساحرا، تصاحبه رسومات معبرة، دون انفصام. نبرات بألوان هادئة ومُسكنة تحمل على متنها النص الشاعري بنشوة وسعادة، حيث القول: “لقد هيأتُ الصيف/ سيأتي ككل سنة/ بعد الربيع”.

يحس القارئ والمستمع أنهما يصعدان محمولين ومأخوذين بموسيقى النص وبساطته، والبهاء اللحظي للرسومات المصاحبة يبعث الشجون، يمر كنسمة منعشة، دون استثقال على غرار ما نسمع: " تركت روحي للريح/ أحس أنني أخَفّ الآن/ بإمكاني السفر في كل لحظة/ الذهاب، العودة، كم هذا مسلّ". يروي هذا الكتاب حديث الوداع من جَدّ لحفيده الصغير، دون إفراط في أحاسيس مثيرة للدموع، متحاشيا الأسلوب المؤثر، إنه على الأصح، أسلوب معتدل معقول، وهذا أفضل.

هذه البساطة تروق وتفتن دون مناورة، تتيح للكلمات إمكانية التعبير عن حالة حزن هادئة وأجواء شجية لطيفة، حيث تترقرق دموع دون أن تعصر القلب، دون أن تشوّه المحيى، حيث تستمر الحياة، رغم كل شيء، دون ارتجاج أو ثقل، بل بسلاسة وبساطة لأنه هكذا يجدر أن تكون الحياة؛ يكون الموت منطقيا أحيانا، يندرج في صيرورة الأحداث؛ هكذا يبدو ما يودّ قوله ذلك الرجل المسن لحفيده الصغير. لكنه يضيف إنه من الممكن أيضا الحفاظ على رابط الحب الذي كان يوحدهما بقوة الذكريات، طقوس صغيرة تمّ إعدادها. هكذا يغدو الأفول أكثر لطفا، مقبولا ومسلما شيئا ما طبيعيا: “عِدني أنك لن تبكي كثيرا/ إني لا أحب البحر في عينيك/ عدني أنك ستذكر ضحكتي/ من حين لآخر، هذا سيجعلني سعيدا”.


الرسم بالعشب

حكاية 50 لوحة فنية من العصور الوسطى


وتقدّم منشورات لامارتينيير جونيس أعمال كاتب الشبيبة آلان كوركوس، فبعد "حكايات قصيرة لأعمال فنية" (2011)، يعيد الكرة بحكاية الفن بهذا الكتاب الجديد الموجه للأطفال ابتداء من عشر سنوات.

حيث يقترح حكاية 50 لوحة فنية من العصور الوسطى حتى يومنا هذا، تمثل كلها شخصية أو شخصيات للأطفال، على صفحة مزدوجة في أغلب الأحيان، انطلاقا من تساؤل، يقدم بعض التفسيرات حول العمل الفني، يعطي بعض المعلومات حول الأصل، المحتوى، يقترح تعليقا، يعطي معنى للعمل الفني من خلال التركيز على بعض التفاصيل، يحفز حب الاطلاع لدى القارئ دون أن يسلبه أبدا حريته في إبداء تعليقاته الشخصية.

من خلال بعض الأسطر، يستدرج المؤلف القارئ نحو التعبير عن المشاعر، يساعده على توظيف كلمات لملامسة انفعال ما، يزرع التقدير والاهتمام بقيمة العمل الفني المقدم. بهذا الشكل، ستتوالى معروضات مختلف الشخصيات الطفولية، الطفل المسيح، أميرات وأمراء، متسوّلون، محتالون، لاعبون، رضع نائمون، يتامى، تلاميذ كسالى، أطفال بالألوان "أحمر كـذات الوشاح، أصفر وأزرق كـآرلوكان".. فرنسية الأصل، دنماركية، ألمانية، إيطالية، إسبانية، سويسرية، فلامانية، أميركية، كونغولية أو تاهيتية؛ كلها مختلفة ولكنها رغم ذلك كونية حين تجسد التعبير عن البراءة، عن الطراوة.

الواحد تلو الآخر، يتم استعراض 50 عملا فنيا، في كل مرة يكون العرض فوق أساس بلون مختلف، جذاب، يسهل تمييزه من بين الرسومات المعروضة؛ يحيط بكل لوحة فنية، إطار أبيض صغير تتم فيه الإشارة إلى عنوان ذلك العمل، سنة إنجازه، مقاييسه، اسم مبدعه والمكان الذي يعرض به حاليا، هكذا سيكتشف القارئ أن فرنسا، عبر متاحفها الوطنية وكذلك الجهوية، تزخر بالعديد من الأعمال الفنية التشكيلية.


هل يوجد للحياة معنى

كتاب يقترح مزيجا بين الفيلم المرسوم والفلسفة


هذا الكتاب الخارج عن التصنيف للمجلة الفلسفية الفرنسية "فيلوزوفي ماغازين" يقترح مزيجا بين الفيلم المرسوم والفلسفة ويحاول الإجابة، بالقدر المتاح، على مسألة معنى الحياة. حسب مجموعة الكتاب الذين ساهموا في إخراج هذا المؤلف، فإن الفيلم المرسوم هو فن ميتافيزيقي، وتلك الأنطولوجيا الصغيرة المقترحة على القارئ، تقدّم في شيء من الدعابة والكثير من الجد والتأمل، رؤى متعددة لذلك المعنى (أو اللامعنى) الذي يمكن أن يعطيه كل فرد منا للوجود.

هكذا، من خلال رسومات ماثيو، أوريتا، جول، جيلوك أو بيربيريان (دون ذكر آخرين)، والتأملات المستنيرة وواسعة البعد (والمعقدة شيئا ما في بعض الأحيان) لفلاسفة، أدباء، محللين نفسيين نذكر من بينهم إيكو، غارسيا، سيرولنيك، تيسْرون، يعبر كل منهم حسب وجهة نظره -الفلسفية أو التخطيطية- ويساهم في مؤلف مختلط، مبتكر، يمكن تناوله من عدة جهات، في جميع الاتجاهات، لدرجة يمكن معها أن نتيه ربما، أن نفلت من بعض الإضاءات لكن بالنهاية أن نبقى أحرارا في اختياراتنا وفي صفحاتنا.

خارجة عن المألوف أو غير معقولة، قابلة للنقاش أو معقدة، طريفة أو جدية، فلكل مقاربة جانب جذاب يحفز رغبات القارئ وتكشف له بعض المفاتيح ليتعلم القراءة بين الفقاعات. "يبلغ الرسم تلك الدرجة من التجريد التي تُمَكن من ملامسة ماهية الخلق ويجعل من هذا الوسيط الروحي الوسيلة المثلى لممارسة الفلسفة".

17