من المسؤول عن موت رغبة الطفل في التعلم

علماء النفس يرجحون أن الانقطاع المبكر عن التعليم لا يرجع إلى الظروف الاجتماعية السيئة لأسر بعض التلاميذ بل إلى خلل في المنظومة التعليمية الحديثة.
الثلاثاء 2015/05/26
الرسائل التخويفية تجعل الطفل ينفر من المدرسة

أجاب خبراء تربويون عن تساؤل الكثير من الآباء حول أسباب نفور أبنائهم من مقاعد الدراسة، مشيرين إلى مجموعة من العوامل التي تجعل التلاميذ يفقدون تدريجيا رغبتهم الفطرية في التعلم، على الرغم من أنهم كانوا في مراحل عمرهم الأولى متحمسين وعازمين على النجاح والتفوق.

ورجح المعلم الأميركي جون كالدويل هولت في كتابه الشهير "كيف يفشل ألأطفال" أن التلاميذ يخفقون أكاديميا بسبب استراتيجيات التدريس التقليدية والبيئة المدرسية المملة والمنفصلة عن الواقع.

وقال إن "داخل المدارس يشيع جو من الخوف، خوف من الفشل وخوف من الذل وخوف من الرفض، وجملة هذه المخاوف تعيق النمو الفكري للطالب".

وأوضح أن العلامات والدرجات التقييمية التي يسندها المعلمون تعزز مخاوف الأطفال من الفشل في الامتحانات، وبالتالي فهي مسؤولة عن انطفاء حبهم للدراسة، وأيضا على قمع فضولهم ورغبتهم في المجازفة من أجل الاستكشاف والتعلم.

وأشار إلى أن الملل يعتبر عقبة رئيسية أخرى تكبح الدافع الفطري للتعلم، موضحا أن الطفل قبل بلوغه سن المدرسة يبدي استعدادا كبيرا لاكتشاف ذلك العالم الذي يخصه، ولكن بمجرد أن يصبح جزاء من تلك المنظومة التعليمية يشعر بالنفور منها، والسبب أن "المدارس تفرض على الأطفال دواما مطولا، ومهاما متكررة من شأنها أن تفقدهم على المدى الطويل القدرة على التحمل". وشبه طريقة التعليم الحديث بـ”قطعة الكعكة” التي يجبر التلاميذ على التنافس عليها، وهي من وجهة نظره “مكافآت تافهة وحقيرة” لا يمكن أن تحفز الأطفال على التعلم.

وقال إن الأشياء التي يتم تدريسها في المدارس غالبا ما تتعارض مع ما تعلمه الطفل من والديه أو من أفراد أسرته، وعلاوة على ذلك فهو يعامل بطريقة مختلفة عن معاملة والديه، ففي أسرته قد يتعلم مثلا أن الفضول شيء إيجابي ويستحق الثناء، ولكنه قد يواجه السخرية والاحتقار من طرف المعلمين وزملائه على حد السواء إذا طرح سؤالا لم يرق لهم.

باحث أميركي شبه طريقة التعليم الحديث بـ"قطعة الكعكة" التي يجبر التلاميذ على التنافس عليها، وهي من وجهة نظره "مكافآت تافهة وحقيرة"

ولاحظ هولت من خلال أبحاثه المتعددة أن معظم التلاميذ قبل سن العاشرة يتوقفون عن طرح الأسئلة بسبب خوفهم من السخرية ومن التقييمات التي ليست في محلها في أغلب الأحيان.

وكشف التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" أن 21 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خارج المدرسة أو مهددون بتركها.

وعلق علماء النفس على ذلك مشيرين إلى أن الانقطاع المبكر عن التعليم لا يرجع بالضرورة إلى الظروف الاجتماعية السيئة لأسر بعض التلاميذ.

ورجحوا أن تكتيكات التخويف التي يمارسها المدرسون من أجل تحفيز التلاميذ على النجاح تفقدهم الحماسة وتجعلهم يشعرون بالنفور من الدراسة.

وركزت العديد من البحوث على العوامل التي تسهم بشكل فعال في جودة أداء الطلبة ونوعية التحصيل الأكاديمي الذي يحصلون عليه.

وأكد باحثون بريطانيون أن حوالي 50 بالمئة من التلاميذ تعتريهم مخاوف قوية من الاختبارات المدرسية إلى درجة تؤثر بشكل قوي على أدائهم الأكاديمي.

وأظهرت دراسة لهم أجروها على عينة من التلاميذ أن دوافعهم للقيام بعمل جيد قد انخفضت، لشعورهم بالتهديد من قبل رسائل المعلمين التي تركز على الفشل، كما انخفضت درجات الامتحان بسبب تكتيكات الخوف التي يستخدمونها.

21 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خارج المدرسة أو مهددون بتركها

وأوضح مؤلف الدراسة ديفيد بوتوين، من جامعة إيدج هيل في لانكشاير بإنكلترا، أن المعلمين لم يكونوا على دراية واضحة بأفضل طريقة ممكنة لتحفيز التلاميذ على إجراء الامتحانات، ولم يكونوا على علم بكيفية إمكانية تفسير الرسائل التي ترسل إلى التلاميذ حول أهمية الأداء الجيد في الامتحانات.

ونبه باحثون من جامعة كيبيك الكندية إلى خطر الإهانات اللفظية التي يوجهها المدرسون للتلاميذ بسبب عدم انتباههم أو سلوكاتهم المشينة داخل الفصل.

وقالت الباحثة مارا برندغن "اكتشفنا أن التعرض للإهانات اللفظية يساعد على الجنوح في مرحلة المراهقة المبكرة، كما أنه يؤثر سلبا على المستوى الدراسي للطفل".

وأضافت “يجب توفير تدريب أفضل للمعلمين من أجل تأهيلهم للتعامل مع الأطفال الذي يقومون بسلوكيات غير مرضية من دون توجيه إهانات لهم". ولكن دراسة أميركية جديدة رجحت أن مهنة التدريس وخاصة في المراحل الابتدائية ترفع حدة الضغوط على المعلمين، وتجعلهم أكثر عرضة للاكتئاب، وذلك من شأنه أن يؤثر على أداء التلاميذ، وخاصة في مادة الرياضيات.

وأشارت إلى أن نسبة الاكتئاب بين معلمي المراحل الأولى تصل إلى 25 بالمئة مقارنة بـ18 بالمئة في صفوف غير المعلمين. وأوصى الباحثون بضرورة تفعيل برامج الصحة النفسية للمعلمين، لأنها تؤثر بشكل مباشر في التحصيل الأكاديمي للأطفال.

21