من المسجد إلى الكمبيوتر: تطور شكل الدعاية للإرهاب بأسلوب التخفي

أشكال أخرى من الحروب ربما تكون مخفية على العين المجردة التي تتابع عمليات القصف وتبادل إطلاق النار في الجبهات. هذه الأشكال ليست بعيدة عن الأحياء السكنية والمنازل والشوارع والمقاهي العمومية، فسلاحها لا يتجاوز جهاز كمبيوتر وإنترنت وشخصا ينتمي إلى أحد الخلايا الجهادية “الافتراضية”. ولعل هذه الحرب تمثل الوجه الآخر للانتشار الكلاسيكي للجماعات الإسلامية داخل المجتمعات والتي كانت تتمثل في الحلقات الصغيرة والمنتديات والدوريات التي تحوي دعوات جهادية وعنفية.
الاثنين 2015/11/02
شباب مسلم يقوم بحملة لمواجهة التطرف في الإنترنت: "ليس باسمي"

واشنطن - لا قدرة للبنتاغون الأميركي وأجهزته على القضاء تماما على مستعملي الفضاء الافتراضي التابعين لما يسمى الدولة الإسلامية بشكل تام، فالأمر ميؤوس منه خاصة إذا تعلق برقم هؤلاء المبحرين الذي بلغ حسب وزارة الدفاع الأميركية 16 مليون مستخدم للمواقع الافتراضية، الشيء الذي دفع مسؤولا رفيع المستوى بأجهزة الدفاع الأميركية إلى القول بأنها “حرب أخرى وجب التدرب عليها ووضع خطط وإمكانات كثيرة”، وأضاف أن وزارته “لا تملك الإمكانيات الكافية وهي غير قادرة الآن على مواجهة هذه الحرب التي مثلت تحديا للسيطرة على الإنترنت”.

وضمن هذه الحملة فإن الملايين من رسائل البريد الإلكتروني ترسل على طول الوقت، كما أشار المسؤول في جلسة استماع بالبنتاغون إلى مقاطع الفيديو التي ينشرها التنظيم ويتلقفها الباحثون عن الانتماء والدعوة إليه عبر الفضاء الافتراضي، وتحدث عن التحدي الذي تمثله عمليات “المشاركة” التي يقوم بها الناشطون عبر مواقع التواصل فيس بوك، تويتر، غوغل بلس ولينكدن وأخرى.

تعتبر هذه التصريحات منطلقا للبحث في الدوائر الخفية التي ينشط فيها المتطرفون والتي تمثل دعائم اتصالية للجماعات الإرهابية خاصة ما يسمى الدولة الإسلامية. إذ لا يتعلق الأمر فقط بأن يكون الفرد مشاركا في العمليات القتالية أو حتى الدعوة إليها بأشكال مختلفة، بل إن المسألة مرتبطة بطريقة كلاسيكية في الانتشار والتوسع أفقيا خارج نطاقات السيطرة الرسمية والأمنية.

فقد نشر مؤخرا معهد واشنطن للدراسات تقريرا حول نشاط الخلايا الإسلامية خارج الدوائر البرلمانية، والمقصود هنا هو نشاطات الإسلاميين (بمختلف انتماءاتهم وتنظيماتهم) في مجالات النشاط غير المعلن والمتخفي، ليس فقط عن الأجهزة الأمنية والإعلامية، بل حتى عن المجتمع ذاته. فأغلب التنظيمات الإسلامية التي تفضل العمل في الخفاء تعتبر نفسها غريبة عن واقع الناس المعاش ومتمايزة عن المنظومة الاجتماعية المعهودة والمؤطرة داخل الدولة. وقد أكد التقرير أن مجالات النشاط الإسلامي تكثر وتتعاظم في غفلة من المراقبين انطلاقا من الاجتماعات البسيطة والعادية في المساجد لأكثر من مرة في اليوم وصولا إلى “التنظيم الإلكتروني” وفق مجموعات تكتسح المجال الافتراضي لاعتراض كل متصفح بجملة من الشعارات المشحونة أيديولوجيا والداعية إلى ممارسات إرهابية باسم الإسلام بشكل صريح.

المسألة مرتبطة بخلايا غير مرئية تعمل على الدعاية للإرهاب وهي خلايا متشكلة من صلب العقيدة التنظيمية له

وقالت دراسة معهد واشنطن إن الأجهزة الأمنية الأميركية قد اتفقت مع الإدارات العامة لأغلب مواقع التواصل الاجتماعي في أن يتم حذف كل حساب يتم فيه الترويج لدعوات إرهابية وخاصة من يروج لأفكار داعش. وقد أوردت أمثلة عن ذلك من بينها حساب من يسمي نفسه “ترجمان الأساورتي” وهو أحد أشهر المناصرين لتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو مدوّم على نشر أخبارهم بشكل يوحي أنه عمل منظم وواسع ومقسم، وقد أغلقت إدارة تويتر له مئات الحسابات في السابق، وهذا هو الحساب رقم 306 في سلسلة حساباته.

وقد أكدت التقارير -من بينها مقالات صحفية نشرت في مواقع مختلفة- أن يكون “ترجمان الأساورتي” مواطنا سعوديا لكثرة حديثه عن الشأن السعودي، وإلمامه الواسع بأسماء الدعاة السعوديين، وتاريخ الجماعات الجهادية ورموزها في “الجزيرة العربية”. بينما يقول آخرون إن “ترجمان” هو مجموعة أشخاص يقومون بإنتاج أفلام متقنة بشكل احترافي، موضحين أن بعض التغريدات في حسابه تختلف في أسلوبها عن باقي التغريدات. كما بينوا أن إصداراته لا يمكن أن تكون جهدا فرديا، ويستدلون على ذلك باقتباسه مقاطع مصورة من قنوات أجنبية، وإصدارات قديمة، ويرون أن هناك فريق عمل متكامل يقوم على هذه الإصدارات.

وقال مارك تونر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية إن “هذه الأسماء المركبة والحسابات التي لا تنتهي لا يمكن إيقافها هكذا بمجرد الاتفاق مع إدارة أي موقع للتواصل الاجتماعي، المسألة مرتبطة دائما بخلايا غير مرئية تعمل بشكل مستمر على اختراق الحسابات والدعاية للإرهاب وهي خلايا متشكلة من صلب العقيدة التنظيمية للجماعات الإرهابية”. وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية في العديد من الدول “عاجزة عن إيقاف الحسابات وضبط المستخدمين وأماكنهم وهويّاتهم الحقيقية”.

وبذلك، فإن الانتشار داخل مواقع التواصل الاجتماعي للجماعات المتطرفة قد غلب الانتشار الأمني وحتى قيادات الدعاية المضادة التي تحارب التطرف على الإنترنت، الأمر الذي يعكس ما كان يحدث في السنوات الماضية -أي قبل ازدهار الانخراط في المواقع التفاعلية- عندما اكتسحت الجماعات الإسلامية المتطرفة والإسلامية السياسية الفضاءات العمومية التي كان يرتادها المواطنون وأولها كان المسجد ثم الجامعات والمعاهد والشوارع والقاعات العامة وغيرها، بطريقة مكنت تلك الجماعات من الهيمنة ولو بشكل نسبي على الفضاءات العمومية لتراكم تجربة الاحتكاك المباشر لمستهلك أفكارها، وهو ما يسهل عملية الاستقطاب والتوظيف والانتشار داخل صفوف الملايين الذين تدوخهم فصاحة هؤلاء وقدرتهم على الإنتاج الديماغوجي.

عمليات "المشاركة" المكثفة التي يقوم بها المتطرفون على المواقع الافتراضية تشكل تحديا في إيقاف الدعاية

وسبق أن نشر مكتب القانون الجنائي الدولي وهو منظمة مستقلة أسسها محامون مختصون في الجرائم الدولية ومقرها لندن، تقريرا عن الأساليب التي من خلالها تتم عملية الانتشار الخلوي للجماعات الإسلامية المتطرفة، بشكل يجعلها تسيطر على المجال العام اليومي للمواطنين. وقد كشف التقرير أن أصل الخطط التي تستعملها الآن جل الحركات الإسلامية بشتى أنواعها تعود إلى تنظيرات الإخوان المسلمين في أواسط القرن الماضي، خاصة في مصر. وقد تمكنت تلك الجماعات من الانتشار داخل مصر وخارجها لتكون شبكة معقدة من العلاقات واستراتيجيات التوسع من الصعب اختراقها.

ويرصد التقرير بدقة شبكة العلاقات التي تربط تنظيمات التكفير والإرهاب بالجماعة الأم: الإخوان المسلمين، وكيف أن المسألة تتجاوز التوافق الأيديولوجي لتمتد إلى المساعدة العملية المستمرة حتى الآن. كذلك زعيم تنظيم القاعدة، الذي خلف بن لادن، أيمن الظواهري المتأثر بخاله محفوظ عزام محامي الإخوان وأحد قيادتهم. أما بوكو حرام، فمؤسسها محمد يوسف الذي كان عضوا بجماعة إخوان نيجيريا ثم الحركة الإسلامية النيجيرية. وجماعة الشباب الصومالية، كانت في البداية الذراع العسكري لاتحاد المحاكم وأمينه العام أحمد عبدي غوداني مؤسس تنظيم الشباب الذي بدأ مع إخوان الصومال.

ويعدد التقرير أمثلة كثيرة موثقة عن علاقة قادة تنظيم الدولة في العراق وسوريا وجماعة الشباب في الصومال بتنظيم الإخوان وأفرعه، وهذا الأمر مكن الباحثين في مكتب القانون الجنائي الدولي من تلمس بعض الأساليب التي تستعملها الخلايا ذات المستويات المختلفة للتواصل فيما بينها وتحديد أهدافها والدعاية لعملياتها ولأفكارها.

وقد أشار التقرير إلى أن جل الخطط التي كان الإخوان المسلمون قد استعملوها للاستقطاب والدعاية تعد الآن نموذجا لخطط الجماعات الإسلامية المسلحة في الانتشار والدعاية في المجال الافتراضي.

13