من النظرة الأولى

السبت 2014/06/07

قد نكره شخصا بعينه، لأن طريقة رسم خط الفم لديه لا تبدو مستحبة من وجهة نظرنا الفريدة، وربما يستفزنا تشابك بقية خطوط ملامحه، حيث تتقارب العينان وتتباعد الوجنتان ويكاد الذقن ينقلب على عقبيه في تصميم خال من التنسيق. وهذه ربما تكون أحكاما غير واقعية تعتمد في الأساس على استعدادنا النفسي لتقبل شخص ما نحبه وآخر لا نريد أن نحبه.

وربما يقتصر الأمر على سلوك طفولي عنيف وزاوية نظر شخصية حادة وظالمة يتبناها أغلب الناس الذين يبحثون عن الكمال في "الآخر" وليس في "الأنا".

إلا أن بعض العلماء، الذين لا يتركون أية مائدة مستقرة حتى يقلبون عاليها على سافلها، توصلوا إلى الدوافع والأسباب الظاهرة التي تسمح لنا باستقبال وجوه معينة بالابتسام والاطمئنان والدوافع والأسباب المخفية التي تجعلنا نقفل أبوابنا وشبابيكنا دون وجوه أخرى لا تبعث على الثقة.

جمعوا أعدادا كبيرة من الملامح وحشروها في برامج تحليل دقيقة على أجهزة الكمبيوتر، ليتوصلوا في نهاية الأمر إلى تصور شامل عن أبرز الصفات التي تجعل من صاحب وجه معين شخصا محبوبا وذا جماهيرية بين الناس. وبعد خضوع العلامات الفارقة لمقاييس الجمال العلمية؛ اتضح أن المكتنزتين المكتنزة والذقن الصغيرة مع أنف وفم صغيرين قدر الإمكان وعيون كبيرة فوق العادة مدعمة ببشرة وردية ناصعة، هي من أكثر الملامح حظا ولطفا وجاذبية لتستحق إعجاب الغرباء الذين سرعان ما يقعون في حب صاحبها من النظرة الأولى؛ حيث يثير مشهد الجمال لدى البعض خليطا من مشاعر المودة والسعادة والاطمئـنان والثقة.

لو طبقنا هذه النظرية التجميلية على ملامح الطغاة، لوجدنا أنفسنا في قطيع الظالمين. هتلر مثلا – عوضا عن شاربيه – كان أقرب في ملامحه إلى مقياس الجمال هذا، لكنه لم يترك خلفه سوى مشاعر الحزن وخيوطا من دماء ومشاهد من دمار، حين تسنى له أن يزرع تاريخ انتصاراته الزائفة في جماجم الأبرياء. وخير دليل على كره الناس له حتى بعد مرور كل هذه العقود على انتحاره، الحادثة القريبة للقط البريطاني المسكين الذي رُكل ورمي في مزبلة من قبل مراهقين في حي لندني شعبي، بسبب خط شاربه الذي جعل من ملامحه نسخة طبقا للأصل من ملامح هتلر!.

ولا نبتعد عن الحقيقة تماما، حين نقر بأن أغلب تفاصيل وجوه السفاحين أو القتلة المتسلسلين – عبر التاريخ- نساء ورجال، كانت تتسم بالرقة والعذوبة، أضيفت إليها عذوبة الحديث وهو أسلوب فاعل يصب في قائمة الأسلحة المساندة لاستدراج الضحية وكتم أنفاسها دون إحداث ضجة، خاصة وأن المتسلسلين هؤلاء لا يستهدفون سوى الغرباء الذين ينجذبون إلى ملامح جمالهم. من هؤلاء، الوسيم تيد بندي، ويعد من أكثر القتلة المتسلسلين شهرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية في أربعينات القرن الماضي، حين كان القتل مهمة محصورة بين طبقات المجرمين والمعتوهين قبل أن تنتقل إلى رؤساء الجمهوريات والبرلمانيين.

الملامح ذاتها صنّفت سينمائيا على أنها علامات “الشر الوسيم”، فأدخلت عادل أدهم عالم المجد والشهرة من أوسع أبوابه. وفي السينما العالمية، كان لأدوار الشر فرسانها الوسيمين أصحاب الوجنات الممتلئة والذقون الدقيقة والعيون الجارحة أمثال آلان ديلون، الشرير المحبوب وتشارلز برونسون، بطل الشاشة الشرس وغيرهما من أصحاب الملامح التي صنفها الكمبيوتر الحديث على أنها سمات لأهل الخير، فأحبهم الناس ظاهريا مثلما رفضوا الشر الذي قدموه على طبق من وسامة ورقة.

أما الجميلات الظالمات فسبق أن قتلن فقراء الشعراء (ولم يحيين قتلاهن) حتى اللحظة، بحسب تصريحات جرير الشعراء، الذي مات مسحوقا من الكمد وهو يطارد (العيون التي في طرفها حورٌ) والوجنتين المتوردتين في أشعاره من دون جدوى.

كان ذلك في أقبية الزمن الجميل البعيد. اليوم، اختلطت الملامح حابلها بنابلها، ولم يعد للجمال مكان فالحروب تهوي بكل ثقلها على أجساد الناس، فيمتزج الجمال بالقبح والذقن بالوجنة والعيون بالأفواه واليابس بالأخضر.

الشارع العربي، أيضا، لا يكاد يخلو يوما من أمثال هؤلاء (الجميلين) الذين أحالوا حياة الناس إلى جحيم مستعر ومنهم رؤساء الجمهوريات ورؤساء الكتل السياسية ورؤساء الشركات القابضة ورؤساء المؤسسات الاقتصادية العملاقة، الذين قتلوا الفقراء مع احتفاظهم بكامل ابتساماتهم الفاتنة.

إنها خدعة تقنية لا أكثر.

21