من الولاء إلى التعصب.. الشباب يضلون الطريق وراء فرقهم الرياضية

ظاهرة خطيرة في الملاعب عند تشجيع الفرق تبدأ بتراشق الاتهامات والشتم لتتحول إلى صراع وعدائية وصولا إلى العنف البدني.
الأحد 2019/02/10
سلوكيات مرفوضة

تحت مبرر الولاء انزلق مشجعو كرة القدم الشباب إلى التعصب الأعمى لفرقهم الرياضية المفضلة، بكل ما فيه من مظاهر سلبية وعنف وعدائية، وانساقت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها لموجة التعصب، وباتت أحد أسباب الظاهرة بدلا من الحل.

الرياض - “الدين أفيون الشعوب” العبارة الشهيرة للمفكر الألماني كارل ماركس التي تداولتها الأجيال منذ القرن الثامن عشر، لم تعد ملائمة لعصر اليوم، وتحولت إلى نسخة محدثة على لسان المفكر الإنكليزي تيري إيجلنون “الكرة أفيون الشعوب”، وتبعها بالضرورة تحوّل الحماس والولاء والتشجيع وخصوصا لدى الشباب إلى تعصب أعمى في ظاهرة عامة عابرة للقارات تساوى فيها الشرق بالغرب.

التعصب الرياضي ظاهرة شبابية بامتياز تتغذى من الحماس وانفعال الشباب المفرط لتشجيع الفريق المفضل والاندفاع لمساندته والوقوف خلفه في المنافسات الرياضية تحت عنوان “الولاء”، الذي حُرّف هو الآخر ليبرر جميع المظاهر السيئة من شتائم وسخرية وتهكّم وتحريض ضد الفرق المنافسة وصولا إلى العنف البدني، ويتحمل الإعلام الرياضي جزءا كبيرا من المسؤولية باعتراف المشجعين أنفسهم.

وباء متنقل

يذهب البعض إلى تسمية التعصب الرياضي بالوباء، الذي ينتقل بين الشباب ابتداء من الملاعب والأندية الرياضية، إلى مواقع التواصل الاجتماعي الساحة المفضلة لتراشق الاتهامات والشتم والقذف، وتجريح الآخرين والصراع ومخاصمة الأصدقاء.

ويقول سفيان كريمي من تونس (29 عاما)، ويشجع النادي الأفريقي، إنه وقع ضحية التعصب الرياضي في فترة ما من حياته إلى درجة أنه دخل في مشاحنات عديدة تطورت إلى عراك مع مشجعي الفريق المنافس الترجي، ووصل به الأمر إلى انهيار عصبي دخل إثره إلى المستشفى بعد خسارة فريقه.

ويضيف كريمي أن استفاقته من داء التعصب الرياضي بدأت بعد هذه الأزمة، مؤكدا أن “هذه الظاهرة ستفتك بالرياضة إذا استمرّت بهذه الطريقة، لذلك يجب محاصرتها ومحاربة الغوغائيين والحدّ من انتشار ثقافتهم المريضة”.

لا يوجد تاريخ محدّد لظهور التعصب الرياضي لكن بداية تحوله إلى ظاهرة خطيرة سجلت في إنكلترا، مع نشوء عصابات “الهوليغانز” في ستينات القرن الماضي، التي انطلقت من الاستاد الرياضي الإنكليزي وقامت بأعمال الشغب والعنف، وتوسع التعصب الرياضي إلى الدول الأوروبية، فبدأ باستحداث المدرجات الرياضية في التسعينات بعد كارثة ملعب هليزبره (1989) التي توفي خلالها 96 مشجعا، نتيجة فتح أبواب الاستاد في الوقت الذي كانت فيه الجماهير تحتشد قبل مباراة ليفربول ونوتنغهام، ثم بدأت هذه العصابات بالتوسع خارج الاستاد الرياضي، وفي دول أميركا الجنوبية حدثت جرائم قتل بحق لاعبين وسياسيين ورموز مجتمع بسبب التعصب الرياضي.

وسائل الإعلام مطالبة بالكف عن إشعال نيران التعصب، فقد كان لها دور بارز في تأليب المشجعين ضد بعضهم البعض

ولا يغيب التعصب الكروي عن ساحات الدول العربية، باعتبار كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية والمتنفس المباح للشباب في المجتمعات المحافظة، وتسببت الظاهرة بأزمة دبلوماسية بين مصر والجزائر بعد مباراة كرة القدم بين منتخبي البلدين، في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عام 2009.

 ولعب الإعلام دور البطولة في التحريض والهجوم وصبّ الزيت على النار ولم يرتفع عن مستوى المشجعين المتناحرين في المدرجات. وحتى في البلد الواحد تجاوز الأمر التشجيع ودخل في إطار التصنيفات مثل “هلالي أو نصراوي أو اتحادي” أو “زملكاوي أو أهلاوي”، وذلك بحسب الدولة التي يتبع لها النادي الرياضي، وفتحت هذه التصنيفات المجال واسعا إلى المشاحنات والتحريض والعنف، كما ساهم في تضخم الظاهرة دخول رؤساء الأندية في صراعات مع بعضهم البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام ما جعل جماهيرهم يحتشدون وراءهم.

مسؤولية الإعلام

 يستنجد باحثو اجتماع في السعودية بقادة الرأي من رموز المجتمع الدينية والسياسية، للحدّ من هذه الظاهرة، مطلقين تحذيرات من احتمال تدهور أو تفكك النسيج الاجتماعي مع استفحال الظاهرة.

واعتبروا أن وسائل الإعلام مطالبة بالكفّ عن إشعال نيران التعصب، فقد كان لها دور بارز في ذلك، وهذه المسؤولية تقع على المسؤولين في الصحف والفضائيات والمواقع الإعلامية المختلفة.

ويؤيد المتابعون على مواقع التواصل الاجتماعي القول بأن وسائل الإعلام تؤلب المشجعين ضد بعضهم البعض، وقال أحدهم إن التعصب الرياضي المتخلّف، أخرج جيلا أعمى البصر والبصيرة، وأوصل بعض الشباب إلى انتهاك الحرمات وشتم الأموات، اضبط الإعلاميين وحاسبهم وينتهي الأمر، الحل بمنع الإعلاميين المحرضين وإصدار قانون يعاقب من يثير التعصب وينشر ثقافة الروح الرياضية.

بدأ مشروع محاصرة التعصب الرياضي في السعودية، على أيدي بعض المشجعين الشباب الرافضين لتحوّل شغفهم بالكرة إلى ظاهرة سلبية توحي بالجهل وانعدام الوعي والثقافة والتعصب الأعمى، ثم صدرت قرارات تنظيمية صارمة للحد من التعصب الرياضي، واستهدفت الأنظمة الحدّ من الظاهرة وترويجها في وسائل الإعلام، وشاركت جهات حكومية مثل وزارة الداخلية، مضافا إليها وزارة الثقافة والإعلام والهيئة العامة للرياضة وهيئة الإعلام المرئي والمسموع في تطبيق القرارات الجديدة.

وسائل الإعلام أججت انفعالات الشباب وحماسهم المفرط
وسائل الإعلام أججت انفعالات الشباب وحماسهم المفرط

وتشمل القرارات متابعة ورصد كل ما يؤدي إلى التعصب الرياضي في وسائل الإعلام المختلفة، وحصر الأسماء المثيرة للتعصب واتخاذ إجراءات عاجلة تجاهها من قبل الجهات المختصة. وبحسب القرارات، فإن على وزارة الثقافة والإعلام وهيئة الإعلام المرئي اتخاذ إجراءات كفيلة بمنع وسائل الإعلام من نشر ما يؤدي إلى التعصب الرياضي، ورصد التجاوزات والإساءات في وسائل الإعلام المختلفة.

وعلّق صالح الحمادي الناقد الرياضي على هذه القرارات بقوله “التعصب أصبح كالداء المزمن الذي ينخر جسد الرياضة السعودية، ويجب ألاّ ننسى أن سبب تراجع المنتخبات ومستوى الكرة السعودية خلال الفترة الأخيرة عائد إلى التعصب الرياضي”.

وأضاف “الأنظمة واللوائح وتطبيقها، بلا شك ستحدّ بشكل كبير من التعصب السائد والطاغي في الشارع الرياضي”.

محاصرة الظاهرة

ووضعت وزارة التعليم آلية للوقاية من التعصب الرياضي بالمدارس، وأصدرت تعميما تضمن التأكيد على تفعيل وثيقة منهج التربية البدنية في التعليم العام المتضمنة تربية صفة التنافس المحمود وتعزيز قيم التسامح في دروس ومناشط التربية البدنية، من خلال جداول المدى والتتابع للخبرات التعليمية في الجانب الوجداني.

وأضاف التعميم التأكيد على تحقيق أهداف المشروع الشامل لتطوير المناهج من الاتجاهات الإيجابية اللازمة للمواطنة الصالحة، والمشاركة الفاعلة والمحافظة على الأمن والسلامة والبيئة وحقوق الإنسان.

وكذلك إعداد خطة تشتمل على عقد ملتقيات وبرامج وندوات دورية توعوية للطلاب والمعلمين، تهدف إلى الحد من كل ما يؤدي إلى إثارة التعصب الرياضي أو نشر الإساءات في وسائل الإعلام المختلفة، والرفع بها للإدارة العامة للنشاط الطلابي.

وتطرّق التعميم للتأكيد على تنفيذ اللوائح والتعليمات المنظمة للدورات والبطولات الرياضية المدرسية على تعزيز القيم التنافسية، وتوثيق التواصل الاجتماعي بين الطلاب، ونشر الألفة والمحبة بينهم والتأكيد على تنفيذ برامج وأنشطة تهدف إلى الحدّ من كل ما يؤدي إلى التعصب الرياضي من خلال الإذاعة والمسرح المدرسي والفعاليات التي تنفّذ في المدرسة. وكذلك تنفيذ الإجراءات الوقائية من الآثار السلبية للتعصب الرياضي التي تشمل الأدوات المدرسية أو الشخصية المخالفة، ومتابعة المخالفات واتخاذ ما يلزم حيالها.

وشددت الوزارة على معالجة سلوكيات التعصب الرياضي والظواهر غير التربوية وتوجيه الطلبة والطالبات وإرشادهم إلى السلوك القويم. وتوجيه رسائل توعوية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالمدارس ومكاتب التعليم، والتأكيد على ما تضمّنه مشروع وثيقة حقوق الطالب ومسؤولياته.

19