من اليمن إلى لبنان.. عن القضية المركزية وتوظيفاتها

الأحد 2015/03/29

منذ زمن بعيد انطوت فكرة “القضية المركزية”، أي قضية فلسطين، والصراع ضد إسرائيل، على نوع من التلاعب والمخاتلة والتوظيف، أي أن هذا القول لم يقصد لذاته، وإنما لأغراض أخرى، لا علاقة لها بتلك القضية.

معلوم أن هذه فكرة ابتدعتها الخطابات الديماغوجية القومجية التي تبنّتها النظم الاستبدادية، لتأكيد هيمنتها السلطوية في مجتمعاتها، ومصادرة حريات مواطنيها، ولتبرير القمع وتأخر التنمية ونبذ الديمقراطية. بيد أن هذه الفكرة لم تبق في مجال الاحتكار لتلك الأنظمة إذ باتت أيضا مجالا للاستخدام من قبل فصائل الإسلام السياسي (الشيعي والسني)، وخاصة بعد ظهور الجمهورية الإسلامية الإيرانية (1979)، وفي إطار سعيها المحموم لإقامة إطارات حزبية موالية لها، مستغلة البيئات الشعبية “الشيعية”، في بعض البلدان العربية، التي تطورت الى حالات ميليشياوية مسلحة، تغطت بمقاومة إسرائيل في لبنان، ولكنها تغطت بشعارات مغايرة، ضمنها مناهضة النظم السياسية في بلدان أخرى، على ما جرى في العراق والبحرين واليمن، مثلا.

وعلى أيّ حال فقد ثبت في التجربة، وعلى مدار عقود من الزمن، أن الأنظمة المعنية ليس لها قضية مركزية، لا فلسطين، ولا الوحدة ولا الاشتراكية، وأن همها الوحيد، أو قضيتها المركزية الحصرية، إنما تتمثل بفعل كل شيء لتأبيد سلطتها، بدليل أنها لم تستخدم جيوشها إلا ضد شعوبها، كما تبين مؤخرا، لا سيما في ليبيا واليمن وسوريا. وبالمثل فقد ثبت ذلك في حال القوى الميليشياوية ـ الطائفية، أيضا، التي كانت تذرعت بالمقاومة، وهو ما ينطبق على حزب الله، الذي توقفت مقاومته من الناحية العملية منذ العام 2000، باستثناء بضع عمليات محدودة جدا على الشريط الحدودي، وذلك بعد أن استدار ببندقيته إلى الداخل اللبناني، لفرض هيمنته في لعبة التوازنات الطائفية والسياسية في لبنان. وقد شهدنا أن هذا الحزب أسفر عن وجهه بكل صراحة بانخراطه المباشر في قتال السوريين دفاعا عن نظام الأسد، القائم على الاستبداد والفساد، وفي العمل كذراع إيرانية، وكجزء من النفوذ الإقليمي لإيران بشكل واضح. وكلنا نعرف أن هذا الحزب، الذي يبرر حاله بالمقاومة، لم يؤيد يوما أعمال مقاومة الغزو الأميركي للعراق، بل إنه تحالف مع القوى الميليشياوية الطائفية التي تسيّدت هناك، والتي جاءت على ظهر دبابة أميركية، باعتبارها جزءا من المنظومة الميليشياوية التي تدور في فلك النظام الإيراني.

ولعله من المفيد التذكير هنا أن المشكلة مع هذه الميليشيات (وحتى مع النظام الإيراني) لا تكمن في طابعها الطائفي أو المذهبي وإنما هي تكمن أساسا في سعيها لفرض هيمنتها على مجتمعاتها بوسائل القوة، من لبنان إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا والبحرين، والعمل علىتخريب هذه المجتمعات وشق وحدتها على أسس طائفية ومذهبية، وهو الأمر الذي لم تستطعه إسرائيل منذ قيامها، من دون أن يقلل ذلك من الخطر الكامن في الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

أما فصل المقال في قصة “القضية المركزية” فينبع من حقيقة مفادها أن القضية المركزية للمجتمعات العربية هي قضية الحرية والعدالة والتنمية والديمقراطية، وكرامة المواطن، وهذا يشمل بالتأكيد قضية فلسطين، إذ لا يمكن نصرة فلسطين في ظل أنظمة استبدادية، تمتهن شعوبها وتشتغل على قمعها، أنظمة لم تبن دولا ولا مجتمعات وحولت بلدانها إلى مزارع خاصة.

أخيرا ينبغي إدراك أن الصراع ضد ايران لا يلغي الصراع ضد إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية ودينية في هذه المنطقة قامت على حساب شعب فلسطين وبالمثل فإن الصراع ضد إسرائيل لا يلغي الصراع ضد النظام الإيراني، مادام ينتهج سياسات تدخلية وتخريبية في البلدان العربية. كما ينبغي إدراك أن إيران هذه هي التي وضعت ذاتها في موقع التواطؤ، ولو غير المباشر، مع إسرائيل، بإسهامها في خدمة أجندتها، من خلال دأبها على شق المجتمعات العربية، وإثارتها النعرات الطائفيةـ المذهبية فيها، وإضعاف استقرارها، بغض النظر عن خطاباتها، وخطابات الميليشيات التي تدور في فلكها، وضمنها خطابات زعيم حزب الله. هكذا، مثلا، ماذا يعني الحديث عن إمبراطورية عاصمتها بغداد، وتمتد من صنعاء إلى لبنان وتشمل سوريا والعراق وحتى الأردن، مع إيران وربما أفغانستان؟ وما معنى قتال حزب الله في سوريا دفاعا عن النظام؟ وما معنى ما فعله نظام المالكي والميليشيات المدعومة من إيران في العراق؟ وما معنى ما قامت به الميليشيات الحوثية في اليمن؟ ما معنى كل ذلك حقا؟ وأين “القضية المركزية” في كل ذلك؟

كاتب فلسطيني
6