من بائعة البيض

تلقيت من بائعة البيض، رسالة استثنائية، موجهة من خلالي إلى مترفي الفصائل والسلطات الفلسطينية، لاسيما الذين ابتاعوا أو ابتنوا على حساب الشعب، الفلل في عمان والضفة وغزة.
الأحد 2020/10/25
إن سألتم عنا، فإن القشة معدن

كان زوجها واحداً من الكادحين الفلسطينيين. وفي حرب 2014 على غزة، أصيب في منتصف ظهره، بشظايا قذيفة، واتضح أن بعضها طاول العصب الطَرفي المحيطي، أي هذا الذي ينقل الإشارات الكهربائية من الدماغ إلى الأيدي والأرجل. ولأن تلك الإشارات، هي التي تشغل عضلات اليدين والساقين، فقد أدت الإصابة إلى الشلل النصفي، مع فقدان القدرة على التحكم في مخرجات البول والغائط. ومثل هذه الحالة يصاحبها ألم شديد، تضطر المريض إلى الصراخ الفجائي بين الحين والآخر. ولنا أن نتخيل معاناة امرأة، تثابر بكل أريحية، على خدمة زوجها الجريح ونظافته، وتسمع الصراخ هي وأطفالها، على مدى الليل والنهار.

عندما نُقل الجريح إلى مشفى فلسطيني في القدس المحتلة، أعاده الذين أصابته نيرانهم، بحجة رفضه أمنياً. حاولوا في الجانب الفلسطيني إعادته، فأرجعه الإسرائيليون مرة أخرى. عندئذٍ بدأ انكشاف عفونة مترفي تصريحات السياسة والطنين. فقد استكثر هؤلاء على الجريح، النقل للعلاج في الخارج، لافتقاره لأي شفاعة سياسية وفصائلية. كل ما فعلوه، هو إعطاء أسرته ما يسمونه “راتب جريح” لا يكفي تغطية ثمن أكياس البول والحفاضات التي يحتاجها مع المسكنات. وعندما أرسلت أسرته تقاريره الطبية، إلى بلد مثل تركيا، جاءها الجواب بأن العلاج موجود، لكنه يتكلف خمسة آلاف دولار شهرياً لحين اكتماله. في هذه الحال، لن تقبل وزارة “المحنك” ولا وزارة “القوي الأمين” التدخل لنقل المريض للعلاج، أو حتى تسخير الاتصالات التي يملكونها باسم فلسطين لمساعدته. هنا، أصبحت المشكلة مسؤولية حصرية على السيدة زوجة الجريح الفقيرة، التي اضطرت للسعي إلى مصدر رزقها.

كانت في وظيفة في القطاع الخاص، لكنها استقالت لكي تتفرغ لرعاية زوجها. وعندما اضطرت إلى البحث عن مصدر دخل، اصطدمت بجمعيات فوجئت بأن القائمين عليها، نصابون مثل خلفياتهم الملتحية، ثم اهتدت إلى مشروع يتصل بالإنتاج المنزلي غير المنظور: جمع البيض البلدي من تحت دجاجات صديقاتها الفقيرات، اللاتي يعتشن على تربية الدواجن في باحات بيوتهن. تأخذ البيض منهن، وتبيعه للميسورين، لكي تعيش على الفارق بين سعري الشراء والبيع، ثم توسعت ليشمل عملها علف الدجاج. تعطيه للأسر وتأخذ مقابله بيضاً!

تلقيت من بائعة البيض، رسالة استثنائية، موجهة من خلالي إلى مترفي الفصائل والسلطات الفلسطينية، لاسيما الذين ابتاعوا أو ابتنوا على حساب الشعب، الفلل في عمان والضفة وغزة، أو الذين امتلكوا الشقق والفلل في إسطنبول. فهي تقول لهم “طمنونا عنكم.. إن سألتم عنا، فإن القشة معدن، وإن كنا لم نستطع بالبيض، تأمين العلاج للجريح، فهو لا يزال يصرخ..”!

24