من بدأ بالخصومة

السبت 2015/06/20

إن أكثر أقلية شهدت إجحافا وتروسا من الألم والظلم على مر التاريخ، هي الأقلية الكردية في تركيا، فشعب كردستان تم التعامل معه على شاكلة الأفراد في مستعمرة، حيث الفقر والألم يدكه تحت أحذية الجنرالات التركية. حبال ترص على أعناق الأكراد في تركيا، وهذه حقيقة تعيشها هذه الأقلية، ولا يمكن نكرانها، في حين أن هناك أقليات في العديد من المجتمعات، حصلت على أكثر مما يجب، ولكنها حتى الآن لا تزال تشعر بأن ما حصلت عليه، لم ولن يكون كافيا، وتطالب بالمزيد، وأن أُعطيت فلا تزال تشعر بأنها لم تأخذ ما تستحق، لكونها لم تحقق بعد أهدافها، والتي لا يمكن أن تتطابق مع دستور الدولة التي تعيش فيها.

ليس مطلوبا من الدول التي يحتوي نسيجها السكاني على عدد من الأقليات، أن تقوم بما قامت به تركيا، عبر محاولاتها تطويق الحصار أكثر مما يُحتمل على الشعب الكردي التركي، وذلك بتأثير السياسة الشوفينية التركية، إنما العدل هو صيرورة الكون، من حيث معاملة الأقليات بعيدا عن منظور الاختلاف العقائدي التاريخي، إذن لماذا لا تقوم بقية الدول بتطبيق ذلك؟ لماذا حينما يتم التطبيق ومساواة الأقلية بباقي أفراد المجتمع، يطالب الكثير من أفراد هذه الأقلية بأكثر مما هو مسموح لهم به؟ حيث قرأت على سبيل المثال مطالبة بعض الجاليات المسلمة في هولندا أو فرنسا، بإعداد حصص دراسية دينية لأطفالها في المدارس، أظن أن ما تطلبه هنا هذه الأقلية بعيد عن الواقع، لأنها تعرف جيدا قبل أن تهاجر من موطنها الأم، أنها مهاجرة إلى وطن لا يدين بديانتها، فهنا المطلب لا يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهنا التساؤل الذي توقفت أمامه لفترة طويلة، وربما حرصت على تدوينه، حتى أتمكن من إيجاد السبب الحقيقي.

من شعب كردستان العريق، انطلق نحو إيضاح فصل قصير من كتابي “أنا سنية… وأنت شيعي” الذي سمحت المملكة العربية السعودية بتداوله مؤخرا، بعد أن كان ممنوعا، ذكرت فيه قصة زميلي جعفر الذي ما فتئ يبعث لي أثناء دراستنا في صف دراسي رسائل إلكترونية، تحوي بعض الفتاوى المضحكة المثيرة التي تم تداولها في ذلك الحين، وأشار بعض المشايخ من أهل السنة أن هذه الفتاوى لم تظهر من قبلهم، وأنهم براء منها، وكنت حينها مستاءة للغاية من زميلي الذي لم يكن يبعث سوى هذه الرسائل، والتي ضحكنا عليها نحن أهل السنة، قبل أن يضحك عليها غيرنا من بقية المذاهب المتعددة، لأنها بالفعل بدت مثيرة للاهتمام والتساؤل، إذا ما كان صاحب الفتوى حينما أطلقها كان يعني تحديدا ما يقوله؟ ولأني شعرت بالغبن من تصرف زميلي، الذي كان على الدوام يصف نفسه بأنه “لا ديني”، وبأن أصول دمائه المسيحية، تجعله لا يعتقد بوجوب الدين كحد فاصل في الإنسانية، أشارت إليّ زميلتي أن أبحث عن فتاوى أو مقاطع فيديو مضحكة عن مذهبه وأبعثها له، وحينما قمت بذلك، توقفت رسائل جعفر، ولم يعد لهُ وجود في خارطة حياتي الدراسية، وهنا جاء السؤال الآخر، تُرى من بدأ الخصومة، أنا أم هو؟ وهل اختلاف مذهبينا، جعل جعفر يسارع بالبدء في الهجوم وهو من كان يصف نفسه أمام الجميع بأن لا مذهب لهُ؟

وإذا كانت هناك خصومة بين المذهبين السني والشيعي، فكيف يتعامل الكردي التركي مع مواطنه التركي صاحب السلطة العثمانية القديمة؟ هل ثمة احتمالات في رفض التعامل أو التعاطي بين الطرفين؟ أم أن نظرية الكردي التركي تعني بأن الحياة تلتزم الكفاح والدفاع عن ذاته، وهذا يتطلب جهدا ووقتا دون اللجوء إلى إدمان الحقوق النظرية، والسعي إلى إظهار الغضب في الوقت المناسب!

واقعيا نجد أن كل ما يحدث هي مؤامرات سياسية، وعلى جميع الأقليات والمذاهب الابتعاد تماما عن اختلاق الفرص للاقتراب من التطرف الفكري والعقائدي، وأن نكون أكثر رغبة في التمازج الحضاري، ففي النهاية إبقاء شعلة الحرب المذهبية يمكن لها أن تسحق الطرفين دون خلاص، سواء أكان سنيا أو كرديا مسحوقا.

كاتبة سعودية

9