من بريكست إلى ترامب رئيسا لأميركا.. العالم يزداد شعبوية

في يونيو الماضي، تفاجأ العالم بتجاوب العديد من المواطنين البريطانيين مع دعوة حزب يوكيب المعادي لأوروبا، حين صوتوا من أجل خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي؛ والثلاثاء، تفاجأ العالم، مرة أخرى، باختيار أغلبية الأميركيين لدونالد ترامب، عديم الخبرة في السياسة، ليكون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية. قد يختلف الحدثان في التفاصيل، لكنهما يشتركان في تركيب صورة جديدة للعالم الغربي، الذي بدأ يتحدث بلغة شعبوية. كان دونالد ترامب وعد في الاجتماعات الأخيرة قبل يوم التصويت بمفاجأة “أقوى من المفاجأة التي أحدثها بريكست”، وأوفى بوعده، حين قررت أكثرية من الأميركيين الغاضبين تكذيب استطلاعات الرأي التي خلصت جميعا إلى فوز هيلاري كلينتون، ومنحت ترامب فرصة، رغم أن الثلثين يعتقدون أن ترامب ليس مؤهلا للوصول إلى البيت الأبيض.
الخميس 2016/11/10
الملعب للشعبوي الآن

واشنطن - يصيح مارك “انتصرنا.. انتصرنا!”، محتفيا بفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية. وعلى الرغم من أنه فرنسي، لكنه مقتنع بأن بطله سيحدث “يقظة” عالمية. ويقول “ثمة يقظة في كل أنحاء العالم، يقظة الأمم، يقظة لفكرة الوطن. وكون ذلك يحصل في الولايات المتحدة يشكل رغم كل شيء رمزا قويا”. ويبث هذا الطالب من شمال فرنسا البالغ من العمر 24 عاما منذ عام تأييده وحماسته لـ”منقذ العالم” على فيسبوك عبر مجموعته “الفرنسيون مع ترامب”، وقد تجاوز عدد متابعيه ألف عضو.

يمثل مارك وأصدقاؤه من داعمي دونالد ترامب، في الولايات المتحدة وكل العالم الغربي، التوجهات الجديدة لهذا العالم، حيث وسائل التواصل الاجتماعي هي التي تصنع الحديث وتعكس الواقع، وتوقعاتها باتت هي الأصدق لا استطلاعات الرأي والصحف التقليدية التي كانت إلى آخر لحظة تتحدث عن تقدم هيلاري كلينتون نحو البيت الأبيض.

لا يحمل ترامب كل صفات “القائد”، وكان يوصف بالأسوأ، عند مقارنته بهيلاري كلينتون، التي لم تكن تسبقه بأشواط كبيرة، فكلاهما كان سيئا في نظر الناخبين، لذلك كانت الكلمة الفصل لمن هو أقرب لطبيعتهم، وكما قال الطالب الفرنسي مارك، إن فوز ترامب “ينقل تصورنا للعالم”.

وتباينت ردود الفعل الأوروبية إزاء فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، بين أحزاب يمينية مرحبة، وحكومات متخوفة ومنتقدة، وآخر “مصدوم” بالأمر”.

الشروط التقليدية، من قبيل أمن إسرائيل وحماية اللوبيات المسيطرة، ورجال الأعمال والمصالح السيادية، لم تعد وحدها مبررا لاختيار مرشّح ما، وتأتي في أسفل ترتيب تفسير أسباب فوز ترامب، فكلينتون أيضا تعهدت بذلك، ولم تكن لتحيد عن نهج سابقيها، ولذلك أخطأت استطلاعات الرأي، مثلما أخطأت وسائل إعلام عريقة كـ”سي إن إن”، وأيضا أخطأ مسؤولون كبار في تقدير حجم التغيير الذي طال المجتمع الأميركي، وحجم الغضب والسخط اللذين جعلا الأميركيين يرون في ترامب “البطل الأميركي” القادم.

هي صورة عكستها هوليوود، منذ فترة قصيرة، من خلال إنتاج أفلام تقدم صورة جديدة ومختلفة لـ”كابتن أميركا”، على غرار فيلم “سويسايد سكواد”، الذي يجعل من مجموعة من الأشرار قادة لتحقيق العدل. وقد حقق هذا الفيلم، الذي صدر هذا الصيف، أعلى الإيرادات في أوروبا والولايات المتحدة، رغم الانتقادات التي طالته.

"كابتن أميركا" مختلف

أبطال “سويسايد سكواد” ليسوا وسيمين، مثل سوبرمان ولا لبقين مثل باتمان، بل بالعكس هم مجموعة من أخطر المجرمين، يفتقدون لأدنى مقومات الجمال والرقة، لكنهم نجحوا في جلب الاهتمام، مثلما فعل ترامب، صاحب الفضائح الجنسية والمعادي صراحة للمرأة والمهاجرين رغم أن والديه من المهاجرين، وهو نفسه، بنى إمبراطوريته العقارية بمساعدة العمال المقيمين بشكل غير قانوني في الولايات المتحدة.

لكن، مع ذلك، ربح هو وخسرت السيدة الأولى السابقة صاحبة الابتسامة الرقيقة التي تحبّ التقاط صور السلفي ومداعبة الأطفال؛ وهو ما بشرت به السلسلة الأميركية الشهيرة “بيت من ورق” (هاوس أوف كاردز)، التي يعتبرها الخبراء، جزءا من اللعبة السياسية الأميركية. ففي قمة اشتعال المنافسة في سباق الانتخابات الرئاسية، بدأت شبكة يتفليكس، بث الموسم الرابع من السلسة، وفيها تصعد شخصية فرانك أندروود، زعيم الأغلبية في مجلس النواب (جمهوري) إلى قمة هرم السلطة في النظام الأميركي ويتولى منصب الرئيس بعد مغامرات ومؤامرات.

إذن، كل المؤشرات كانت تميل لكفة فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن يبدو أن المسؤولين والمحللين والسياسيين، وفئات محددة من المجتمع الأميركي، وعموم العالم، كانت تتمنى فوز هيلاري كلينتون، دون أن تكون مقتنعة تماما بذلك، لأن فوز كلينتون كان سيخفف من صدى الصيحات الشعبوية المجنونة التي تضرب العالم الغربي، لكن خاب أملها.

ويصنف المؤرخ الأميركي دانيال رودجرز، ترامب والقوميين الأوروبيين أمثال البريطاني نايجل فراج ضمن فئة المحافظين الجدد، وإن كانوا أكثر شعبوية من قادة هذا التيار الذين ظهروا قبل سنوات.

وينتشر هؤلاء القوميون الشعبويون، في مختلف أنحاء العالم الغربي، وإن تركزوا أكثر في أوروبا، حيث تتلاقى الأزمات الاقتصادية مع أزمة المهاجرين والتهديدات الإرهابية وتصاعد التحذير من أسلمة المجتمعات الأوروبية.

وتلتقي جميع الأحزاب والحركات المصنفة في خانة الشعبوية حول العديد من النقاط، ومن بينها انتقاد اللياقة السياسية، وكره النخب السياسية والمالية. ويستحضر المحللون، في هذا السياق، الدور الذي لعبته أبرز الحركات الشعبوية الأميركية، وهي “حركة حفل الشاي”، التي ظهرت في 2009، وكيف نجحت هذه الحركة في الصعود والتطور، لتصبح معادلا صعبا في الانتخابات.

الأميركيون غاضبون

يقول متابعون إن لهذه الحركة الشعبوية، ذات الأغلبية الجمهورية، قدرة على تحريك جزء كبير من مؤيدي الحزب الجمهوري التقليدي. وتستوحي اسمها من حادثة التمرّد على الضرائب الباهظة، وهي حادثة وقعت في العام 1773 خلال حفل شاي في مدينة بوسطن، حيث دمر الأهالي الشاي البريطاني بدلا من دفع ما اعتبروه ضريبة تخالف حقهم.

والغضب الذي قاد إلى صعود هذه الحركة، مشابه للغضب الذي أدى إلى صعود ترامب، بل إن بعض الخبراء يقولون إن تأكيد ترامب على مراجعة قانون “أوباما كير”، المتعلق بالضمان الصحي، يعد سببا كافيا، من وجهة نظرهم، ليؤيّده جمهور كبير من الناخبين الأميركيين من مختلف الأعراق، حتى المسلمون والمهاجرون الذين هاجمهم بقسوة.

ترامب رئيس مدعوم بأغلبية جمهورية في الكونغرس
واشنطن – فاز الجمهوريون في مجلس الشيوخ وسيواصلون بذلك السيطرة على كل الكونغرس الأميركي مما يؤمن أغلبية برلمانية للرئيس المنتخب دونالد ترامب. وبسيطرتهم على البيت الأبيض والسلطة التشريعية سيتمكن الجمهوريون من وقف إصلاحات الرئيس باراك أوباما وخصوصا الإصلاح المتعلق بالضمان الصحي الذي يسمّى “أوباما كير”. وستسمح لهم سيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب بالبتّ في تعيين أرفع المسؤولين الحكوميين والقضاة في المحكمة العليا. وكان مجلس الشيوخ الذي تم تجديد ثلث مقاعده (34 عضوا) انتقل إلى هيمنة المعسكر الجمهوري في 2014 مما قلص إلى حد كبير هامش المناورة للرئيس باراك أوباما.

عندما أعلن دونالد ترامب ترشحه للرئاسة الأميركية في الـ16 من يونيو 2015 ونزل مع زوجته ميلانيا الدرج المتحرك لبرج ترامب في نيويورك، كان على الأرجح الوحيد الذي أخذ هذا الأمر على محمل الجدّ. وبعد سبعة عشر شهرا، انتخب الملياردير الجمهوري (70 عاما) الذي لم يشغل أيّ منصب رسمي، ليكون الرئيس الخامس والأربعين لأول قوة عالمية.

وقد أوصله إلى الحكم غضب قسم من الناخبين الذين يشعرون بأنهم متروكون، وأن النخب خانتهم، وأقلقتهم العولمة والاتفاقات التجارية الدولية التي يعتبرونها تهديدا لوظائفهم. وسخرت وسائل الإعلام الأميركية في البداية من هذا الرجل المعروف بلسانه السليط والمقدّم السابق لبرنامج تلفزيون الواقع الشهير في الولايات المتحدة “ذي أبرنتيس".

وقللت من تهديده للحلم الأميركي، حين قدّم، في خطاب ترشيحه في يونيو، صورة قاتمة جدا عن الولايات المتحدة التي تتحول إلى “بلدا من العالم الثالث” كما قال.

لامس ترامب، الذي عبّر في تصريحات صادمة عن معارضته للهجرة وللتبادل الحر، استياء عميقا في أميركا البيضاء المتواضعة الذي لا يريد كثيرون أو لا يستطيعون رؤيتها. وكانت الجماهير، التي يشكل البيض أكثريتها الساحقة، تهرع لحضور اجتماعاته، وتكرر بابتهاج شعاراته وتغفر له تجاوزاته. وهي تهوى هذه النبرة الجديدة، غير اللائقة سياسيا والتي تعكس ما تشعر به من حرمان وما تعانيه من قلق.

وفي عام أبدى فيه الناخبون في الولايات المتحدة وخارجها امتعاضهم من المؤسسة السياسية وعولمة الاقتصاد ورفاهة الشركات كان تخمين ترامب سليما أن بوسعه ركوب موجة الاستياء هذه إلى البيت الأبيض.

ضرورة ترامب

وسط ما يعيشه العالم اليوم، من صعود لظاهرة الشعبوية، مرفوقة بتصاعد في التوترات العرقية والدينية وفي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح لشعار «جعل أميركا عظيمة ثانية» معنى آخر بالنسبة إلى الناخبين الذين اختاروا ترامب، سواء كانوا الناخبين غير المباشرين الذين انتخبوا أعضاء المجمع الانتخابي كممثلين لهم عن ولايتهم، أم أعضاء المجمع أنفسهم، والذين كان في يدهم قرار من سيكون القائد القادم للولايات المتحدة الأميركية والعالم.

اجتمع الشعبوي الداخلي مع المتغيرات الخارجية وتأثيراتها على توازنات النظام العالمي، فكان لا بد -وفق “الدولة العميقة” صانعة القرار في أميركا- من ركوب موجة الشعبوية، لتبرير اختيار “الكاوبوي” ترامب، رجل العقارات والتحرشات وتلفزيون الواقع، لترويض الدبّ الروسي الذي امتدحه وقال إنه يرغب في التعاون معه.

ولا بد من رجل الصفقات الناجح، كما وصفه مستشاره وليد فارس، في حوار سابق معه “العرب”، لمواجهة زحف التنين الصيني، والتعامل بشكل مباشر، ووقح عند الضرورة، مع إيران التي استفادت كثيرا من دبلوماسية أوباما وعقيدته الهادئة.

العالم اليوم يبدو أنه يحتاج إلى شخص مثل ترامب يؤمن أن المبادئ هي للفاشلين، وهو الذي قال في خطابه حول السياسة الخارجية “لن يكون هناك مبدأ ترامب لأن الحياة تفرض علينا أن نكون مرنين. عليك أن تتمتع بالمرونة. عليك أن تتغير. قد تقول شيئا معينا ثم في السنة المقبلة ترغب في تغييره لأن الظروف تغيرت”.

والمتابع لخطّ سير الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، منذ أصبحت الولايات المتحدة الأميركية قوة دولية بعد الحرب العالمية الثانية واستفرادها بزعامة العالم بعد الحرب الباردة، يتبين أن وصول دونالد ترامب إلى الحكم، رغم سلبياته الكثرة وعدم خبرته، أمر طبيعي في مثل هذا الظرف.

في فترة خمسينات القرن العشرين وستيناته كان من المناسب صعود رئيس بخلفية عسكرية، حيث تسود العالم نزعة الثورات الاستقلالية. فجاء دوايت أيزنهاور (1953-1961)، الذي عرف كيف يحدّ من طموح جمال عبد الناصر في تلك الفترة مقابل توطيد العلاقات الأميركية السعودية.

وكان من الطبيعي أن يحل ليندون جونسون (1963-1969) محل جون كندي (1961-1963)، الذي أعطى دافعا جديدا للقضية الفلسطينية ودعمه لقضية اللاجئين، قبل أن يتم اغتياله. وقبل انتهاء الولاية الثانية لخليفته جونسون احتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية.

وفي فترة رونالد ريغان (1981-1989) كان التركيز أكثر على الحرب مع السوفييت، ثم فضحية بيع الأسلحة لإيران خلال حربها مع العراق رغم الحظر المفروض عليها، ما عقّد العلاقات العربية الأميركية، فجاء جورج بوش الأب (1989-1993)، وعمل على توطيد العلاقات مع الحلفاء الخليجيين بالأساس مستفيدا من مشاركة القوات الأميركية في حرب الخليج الأولى (1991)، ثم ألحق ذلك بدعم مؤتمر دولي لبحث الصراع في الشرق الأوسط عقد في مدريد في العام 1991، والتقى فيه طرفا الصراع لأول مرة على طاولة واحدة.

وحفاظا على ذلك النجاح، صعد بيل كلنتون (1993-2001)، الذي وقعت في عهده اتفاقية أوسلو واتفاقيتا واي ريفر وشرم الشيخ. في الأثناء كان صناع السياسة الأميركية يعدون لمخطط الشرق الأوسط الجديد ودخول العراق، وكان لا بد من رئيس يتحمل الإقدام على هذه المغامرة، فجاء جورج بوش الابن (2001-2009)، الذي انطلقت ولايته بأحدث 11 سبتمبر وانتهت على وقع الفوضى التي خلّفها تدخله في العراق.

ومن أجل لملمة هذه الفوضى جاء باراك أوباما (2009-2017)، بعقيدته السلمية ورفضه للتدخل العسكري، لكن لم تكد تنتهي ولايته الأولى، حتى دخل في فترة حكمه الثانية في فوضى أكبر، فرضت عليه عودة القوات الأميركية إلى مستنقع الشرق الأوسط، وقد عاد الغريم السوفييتي القديم في شكل جديد، مصمما على حماية معاقله الرئيسية، سوريا في الشرق الأوسط، وأوكرانيا في أوروبا، فيما مدت إيران أذرعها في المنطقة بعد أن سيطرت على العراق، ولا يبدو الوضع في بقية العالم أفضل حالا، فجاء دونالد ترامب الذي يتبني الانعزالية والواقعية والأممية كلها في نفس الوقت.

6