من بيروت إلى باريس.. الإرهاب لا حدود له

الأحد 2015/11/15

بعد بيروت، يضرب الإرهاب باريس. إنها المرة الثانية بعد أحداث تشارلي إيبدو التي تستباح فيها حرمة العاصمة الفرنسية التي اهتزت مساء الجمعة على وقع انفجارات دامية ذهب ضحيتها أكثر من مئة شخص.

ما حدث في باريس من تفجيرات وإطلاق نار واحتجاز رهائن وقبله تفجيرات بيروت، هو بلا شك عنف أعمى وسلوك أهوج لا تبرير له دينيا ولا أخلاقيا. عنف يوحي بأن الآلة الإرهابية متمكنة من أدوات اشتغالها وتملك ترسانة من المعلومات والأخطر أخطبوطا من المتعاطفين والممولين.

ما حدث في فرنسا يدل على أن آليات الإرهاب تتطور بسرعة وبدموية وبشكل نوعي في التوقيت والطريقة. وما يجعل مثل هذه العمليات أكثر تعقيدا أن الجماعات الإرهابية أصبحت ترتكز على تكتيك المجموعات العنقودية حتى تذوب داخل المجتمعات دون إثارة شك الأجهزة الأمنية.

مستوى هذه الهجمات وتوقيت تنفيذها يعطي انطباعا قويا أن الجماعات الإرهابية أضحت معولمة. ولا تعترف بحدود أو جنسيات أو ديانات. ما يستوجب التعامل معها بمقاربات أكثر تطورا وتحديثا. فالإرهاب يجب ضربه في معاقله وتفكيك منظومة تمويله فمثلا تلك المجموعات العابثة بأمن ليبيا وتونس ومصر من السهل تنقلها إلى أوروبا وتنفيذ مخططاتها.

هذه الهجمات ستدق ناقوس الخطر في العديد من العواصم الأوروبية بالخصوص. وهي رسالة ممهورة بالدم تقول إن أدوات الحرب تغيرت وإن القوانين لم تجد نفعا في كبح هذه الآفة.

طريقة الحرب اختلفت وطريقة التعاطي معها يجب أن تكون متغيرة واستباقية، والتنصت وحده لا يكفي في هذه الحالة بل يجب أن يكون مصدر معلومات من داخل تلك الجماعات ذاتها. لأنها جماعات أثبتت أنها تملك لوجيستيكا متقدما ولها مصادرها في عدة أماكن وعلى مستوى مهم. فرغم أن باريس من أكثر المدن تأهبا أمنيا، إلا أن يد الإرهاب استطاعت أن تنفذ ضربتها، ما يعني أن هناك خلايا نائمة، أو ما يسمّى بالانغماسيين، تنشط في لحظة زمنية محددة، بتوجيه وتنظيم واختيار للحظة والأهداف العملية من المركز.

بالتالي نكون أمام عملية إرهابية نوعية وغير مسبوقة، والسياق الذي جاءت فيه يوحي أن هناك هدفا سياسيا وراءها وليس فقط وجدانيا أو تعاطفيا. فتفجيرا بيروت وباريس عنف همجيّ لا تبرره لا ديانة ولا أخلاق، وهو ضد الإنسانية. والهدف المعلن هو توطين الخوف والرعب داخل أنفس الناس.

الرسالة الإرهابية الآتية من باريس اعتمدت على الترويع وخلق جوّ من الرعب، وهذا في حد ذاته يمكن اعتباره إنجازا سياسيا لمخططي الهجمات، غايته قتل الأمن والاطمئنان داخل نفس المواطن الأوروبي.

السؤال المطروح هل تدرّب المنفذون في سوريا أو اليمن أو ليبيا؟ وإذا كان كذلك كيف استطاعوا كسر الحصار الأمني المضروب على أمثالهم. لكننا نرجح أن النواة الأساسية لهذه الجماعات موجودة داخل فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية وأعضاؤها هم من عبأوا ودربوا.

مباشرة بعد الهجمات خالف الرئيس الفرنسي كل أعراف البرتوكول الرئاسي في مثل هذه الحالات ولم يمكث داخل مكان محصّن بالقصر، بل توجه إلى الأماكن التي تم استهدافها وأعلن من هناك حالة الطوارئ.

المعلوم أن فرنسا تشارك في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وكثّفت من طلعاتها الجوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتقدمت الدول الغربية والولايات المتحدة في مطالبة الأسد بالرحيل واحتضان المعارضة. فهل يمكن لفرنسا أن تنسحب من هذا المجهود الحربي ضد الإرهاب.

ضربات الإرهاب بالعاصمة باريس بتاريخ 13 نوفمبر 2015، لن توقف ضربات فرنسا أو غيرها من الدول المشاركة بالشرق الأوسط لأنها عمليات جراحية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لكن يمكن أن تكون محفزا على تسريع الحل السياسي والتأثير في دعم العملية السياسية بسوريا.

طبيعي أن يكون لهذه الهجمات الإرهابية تداعيات. ومن المتوقع أن ما حدث في الضاحية ببيروت له ارتباط عضوي بما وقع بباريس فالحرائق بالشرق الأوسط، وكان لا بد أن تصل ارتداداتها للغرب.

الذين خططوا لتلك العمليات يعلمون جيدا أنها لن تؤثر في الموقف الدولي ضد التنظيم الإرهابي الأمّ، لكنها تعمل على توجيه بوصلة الاهتمام العالمي وأجندة اولوياته بما يخدم خطط صانعي هذه الآلة الجهنمية.

الرهيب في تداعيات العمليات الإرهابية هو أن تلتهب العنصرية ضد المسلمين بفرنسا وكامل أوروبا وتذكي الحروب ضد المسلمين والإسلام.

هجمات باريس ستدق بلا شك ناقوس الخطر في العديد من العواصم الأوروبية بالخصوص وغيرها من البلدان. وهي لحظة تحدّ لكل الأجهزة الأمنية والاستخبارية ومراكز التفكير، لاستخلاص طرق ومقاربات جديدة للتعاطي مع مخرجات عولمة الإرهاب.

ويبقى الحصن الأكبر ضد الإرهاب هو التمسك بالحرية وروح الديمقراطية، والاهتمام بالمواطن وحمايته من أيّ انزلاقات فكرية وعقدية تؤدي به إلى حضن جماعات لا تؤمن إلا بلغة الدم.

كاتب مغربي

4