من بيروت إلى بغداد.. أغنية مشتركة لوجع واحد

ضغط الشارع اللبناني يجبر رئيس الحكومة على الاستقالة فيما لم تحرك الحكومة العراقية ساكنا وتمّ التوصل إلى اتفاق بين الكتل السياسية على التصدي للاحتجاجات.
الثلاثاء 2019/11/12
الهدف واحد

بيروت- وسط ساحات الاحتجاج في مدينة بغداد، يرفرف العلم اللبناني عاليا. وعلى بعد أكثر من 900 كيلومتر، يرد المتظاهرون في وسط بيروت التحية بمثلها وتصدح حناجرهم بأغنية عراقية.

تعزف فرح قدور (26 عاماً) ورفاقها على آلاتهم الموسيقية، مرددين باللهجة العراقية العامية “لا تصدّق بحكي الإشاعة، كلهم حرامية الجماعة (…) والهوية لبنانية، لا لا الساحة ما نتركها”.

واستوحت المجموعة أغنيتها من لطمية، وهي نوع من أنواع الأناشيد الرثائية لدى الشيعة، أطلقها المنشد أو “الرادود الحسيني”، كما يطلق عليه في العراق، علي يوسف كربلائي، دعماً لاحتجاجات تعم مناطق عدة في العراق منذ مطلع أكتوبر ضد الطبقة السياسية برمّتها.

في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، يردّد المتظاهرون الأغنية مع العازفين، يتمايلون على أنغامها، يصفقون مراراً ويطلبون إعادتها مرة أخرى.

وتقول فرح “الشارعان (اللبناني والعراقي) يتابعان بعضهما البعض، ويستمدا الأفكار من بعضهما”، مضيفة أن من شأن ذلك أن “يسلط الضوء على القواسم المشتركة التي من خلالها

نستطيع أن نقدم الدعم المعنوي لبعضنا البعض”. من بيروت إلى طرابلس (شمالاً) والنبطية (جنوباً)، حمل المتظاهرون اللبنانيون طوال فترة حراكهم الشعبي المستمر منذ 17 أكتوبر الشعارات الداعمة لتظاهرات العراقيين، فالمطلب واحد وهو إسقاط الطبقة الحاكمة مجتمعة.

ومن بين الشعارات التي علت في بيروت “من لبنان إلى العراق، الوجع واحد، الحق واحد والنصر آت (..) من قلب لبنان سلام إلى العراق”. وخلال تظاهرة نسائية الأسبوع الماضي، حملت فتاتان لافتة كتب عليها “زيديني عشقاً يا بغداد”، مستوحاة من أغنية للفنان العراقي كاظم الساهر.

وخلال تظاهرة في مدينة النبطية جنوبا، ردد المئات من المتظاهرين “من العراق إلى بيروت، ثورة واحدة لا تموت”.

ويقول سماح، زميل فرح الذي يعزف على الأكورديون، “ما نراه اليوم هو نتيجة تراكم في البلدين، نحن في خندق واحد مع العراق”. وفي ساحة التحرير في بغداد، يشتري المتظاهرون الأعلام اللبنانية من باعة متجولين، وعلق بعضهم علما لبنانيا فوق مطعم تركي مهجور حوّله المتظاهرون إلى غرفة عمليات وبرج مراقبة لدعم المحتجين في حراكهم.

وفي شريط فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، يقول متظاهر عراقي مقنّع “نحن كشعب عراقي، نوجه رسالة إلى وزير الخارجية اللبنانية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل ونقول له ‘ارحل يا جبران باسيل’”.

وفي فيديو آخر، تظهر مجموعة من الشبان العراقيين يرددون “لبنان، نحن معك”. واعتمد المتظاهرون في البلدين طرقا متشابهة للتعبير عن احتجاجهم، ومنها قرع الطناجر أو إغلاق الطرقات الرئيسية بصفوف من السيارات المركونة.

وإذا كان ضغط الشارع اللبناني أجبر رئيس الحكومة سعد الحريري على الاستقالة في 29 أكتوبر، فإن الحكومة العراقية لم تحرك ساكناً، وتمّ التوصل إلى اتفاق بين الكتل السياسية السبت على وضع حد للاحتجاجات ودعم حكومة عادل عبدالمهدي.

من بيروت إلى طرابلس والنبطية حمل المتظاهرون اللبنانيون طوال فترة حراكهم الشعبي الشعارات الداعمة لتظاهرات العراقيين، فالمطلب واحد وهو إسقاط الطبقة الحاكمة مجتمعة

خلال أكثر من 20 يوما من التظاهر، شهدت الساحات اللبنانية مواجهات محدودة مع القوى الأمنية التي استخدمت في الأسبوع الأول فقط الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي.

أما في العراق، فشهدت الاحتجاجات أعمال عنف دامية أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، غالبيتهم من المتظاهرين، وجرح أكثر من 12 ألفاً آخرين، وفق لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي والتي أصدرت الأحد أول حصيلة رسمية.

وفي مدينة طرابلس في شمال لبنان، يقول المتظاهر عبيدة تكريتي (29 عاماً)، “الفرق بين تظاهرتي البلدين اليوم هو الدم الذي سال في العراق”، مشيرا في المقابل إلى القواسم المشتركة في ما يتعلق بالنظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية في البلدين ومعدلات البطالة المرتفعة فيهما.

ويوضح “نحن موحدون في حسّنا الوطني (…) ونصيحتي لهم أن يكملوا طريقهم ليبنوا البلد الذي يحلمون به وألا يرضخوا للضغوط”.

وفي جزء من واجهة بيروت البحرية يُعرف باسم “الزيتونة باي”، حيث تنتشر سلسلة مطاعم غالبيتها من الصنف الراقي، افترش متظاهرون لبنانيون الأرض صباح الأحد لتناول الفطور، في مكان يُفترض أن يكون ملكا عاما وليس خاصا.

وبين هؤلاء، جلس فوزي، رجل عراقي في السبعينات من عمره، يعيش في لبنان منذ سنوات. ويقول، وقد لف العلم اللبناني حول عنقه وفي باله بلده العراق وما يشهده من أحداث متسارعة، “الهدف واحد”.

20