من بيشاور إلى نيروبي مرورا بمدينة الصدر

الجمعة 2013/09/27

تحت مظلة الإرهاب والحرب عليه صار الناس يقتلون جماعات من غير سبب. فمنذ أن غزت الولايات المتحدة أفغانستان والعراق بين عامي 2001 و2003 والناس هناك تخرج من بيوتها صباحا ولا تتوقع أنها ستعود إليها بسلام.

لن نتحدث عن قوى، يحارب بعضها البعض الآخر، فيقتلون ويُقتلون. بل ما نشهده كل يوم هو عبارة عن وقائع يومية مأساوية، لو جمع بعضها إلى بعض لتشكلت بين أيدينا موسوعة للقتل، هي الأكبر في حجمها من كل الموسوعات. يذهب الناس إلى الصلاة فيُقتلون. كما حدث في بيشاور الباكستانية. يذهبون إلى التسوق فيُقتلون. وهو ما حدث في نيروبي الكينية.

يخرجون من بيوتهم بسبب ضيقها وفساد الهواء فيها فيُقتلون كما وقع في مدينة الصدر العراقية. كل هذا القتل صار يقع كل يوم في مدن قُدر لها أن تكون ملاعب للقتل المجاني.

لا فرق في ذلك، إن استعمل الإرهاب صاروخا أو سيارة أو دراجة هوائية في تنقله.

بالنسبة للولايات المتحدة، وهي العدو الأول لما تسميه ارهابا، فإن كل من يخالفها الرأي أو يقف في وجه مصالحها هو إرهابي، إن لم تصل إليه صورايخها فإنها لا تخطئ مهمتها في القتل. أما بالنسبة لأعداء الولايات المتحدة فإن كل هدف مدني تصل إليه أيديهم إنما هو العدو الذي يجب القضاء عليه.

قسمة غير عادلة صار الأبرياء ضحاياها.

نحن نعيش لحظة «قيامية» فريدة من نوعها، لن يكون عزرائيل حسب الحكاية الدينية مكلفا فيها بقبض أرواح الموتى. لن يكون عزرائيل سوى حامل دفاتر، يسجل فيها أسماء القتلى. لقد اختفى البعد الإنساني للموت، وحلت بدلا منه لعنة الإرهاب وهي نوع من شريعة الغاب.

صار مسموحا أن يُقتل الفقراء، والضعفاء، والأبرياء، والمسالمون، والمستسلمون بيقين يذهب إلى القدر. أما القتلة، واللصوص، والدهاة، والفاسدون، والمحتالون، والنصابون، والدهاقنة، وأرباب السياسة والدين فإنهم سيكونون دائما في منجاة من القتل. سيقال دائما أن ما قُتل من المسلمين على أيدي مسلمين تحت راية الجهاد، إنما هو أضعاف مضاعفة مما قُتل منهم على أيدي غير المسلمين. ولكن لمَ صار المسلمون هدفا لهذا النوع من القتل؟

فما لا يستطيع الكثيرون استيعابه يتعلق برفع راية الجهاد في حرب لا يقع ضحية لها سوى بشر أبرياء لن تكون الولايات المتحدة معنية بموتهم.

أما الأنظمة الكافرة التي يزعم المجاهدون أنهم يحاربونها فلا ترى في مقتل مواطنيها ما يقلقها، ما دامت عمليات القتل تقع خارج سياج محيطها الأمني.

وهكذا فقد صارت الجماعات الإسلاموية المسلحة تشن حربا على الناس تحت ذريعة الحرب على الولايات المتحدة. أما الدولة الكبرى، راعية حقوق الإنسان في العالم فإنها صارت تشن حربا على الناس أنفسهم بحجة محاربة الإرهابيين. الوصف الحقيقي لهذه الحرب أنها تقع بين طرفين مدججين بالكراهية، غير أن هناك طرفا ثالثا لا علاقة له بحربهما هو من يدفع ثمن تلك الكراهية. فلا المجاهدون قادرون على النيل من الولايات المتحدة، ولا الولايات المتحدة قادرة على الوصول إليهم، لذلك اختار الطرفان طرفا ثالثا لتصريف كراهيتهما.

ولكن هل علينا أن نكتفي بتصديق هذه النتيجة والقبول بها تفسيرا لما يحدث؟

تاريخيا إن العلاقة بين الولايات المتحدة وما يسمى بتيارات الإسلام السياسي كانت دائما وثيقة، بل أن تلك التيارات حظيت دائما بدعم أميركي غير محدود. وليس الموقف الأميركي من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي الرائدة في الإرهاب، إلا دليلا قريبا على قوة ومتانة تلك العلاقة.

أما إن المجاهدين المسلمين لم يلحقوا ضررا بمصالح الولايات المتحدة فذلك تكشف عنه هوية القتلى من المساكين الأبرياء الذين يتساقطون يوميا على أيدي المجاهدين.

فمَن من مسيحيي بيشاور سيؤثر موته على الولايات المتحدة؟ ومَن من متسوقي نيروبي سيرهق موته ضمير أميركا؟

ومَن من فقراء مدينة الصدر سيجرح موته صمت الرأي العام الأميركي؟

لا شيء. صار الجهاد شعارا لتسويق القتل. وصار على المجتمعات التي تنتج إرهابيين أن تدفع ثمن ذلك في ظل رعاية دولية.


كاتب عراقي

8