من تعلم الدين إلى تدريس العلوم الدينية: إعلاء التسامح يبدأ من المدرسة

ارتفعت أصوات بعض المثقفين في مصر مؤخرا، للمطالبة بضرورة إجراء تعديل على المناهج الدراسية الخاصة بتعليم مادة الدين في المدارس، وتحويلها إلى تدريس العلوم الدينية بصفة عامة، بحيث يتم الدمج فيها بين الدين الإسلامي والدين المسيحي كمنهج موحد، إلا أن الفكرة لقيت معارضة شديدة من قبل التيار الإسلامي ونخب عدة بالمجتمع.
الثلاثاء 2016/11/29
الأجيال القادمة في حاجة إلى تسامح ودمج مع الآخر

القاهرة- أضحى الحديث عن إصلاح المناهج الدراسية الدينية، ووضع تصور جديد لها يرتبط بفكرة التسامح بين الشعوب التي تضم انتماءات دينية مختلفة، بمثابة اللعب بالنار، سواء كان هذا الطرح نابعا من فكر رجال دين، أو خبراء في التعليم، أو حتى من شخصيات اعتبارية، وقد يصل الأمر إلى حد تكفير المطالبين بذلك. أمام هذه المعادلة الصعبة والجمود الفكري لدى بعض المؤسسات الدينية، حول آلية تطوير المناهج الدينية في التعليم العام، ذهب البعض من المعتدلين إلى طرح حلول وسطية، تضمن تدريس النواحي الدينية، بعيدا عن فكرة إلغاء مادة الدين كمبدأ عام، لنشر التسامح بين الشعوب بعيدًا عن الشعارات.

تطوير المناهج الدينية، وفق تقديرات هؤلاء، ومعهم بعض الخبراء، يتمثل في أن تكون الحكومات بعيدة عن تديُّن الطلاب، أو أن تفرض قضايا دينية بعينها، بل تقتصر مهمة مادة الدين في التعليم العام على تعليم الطلاب معلومات حول دينهم، بحيث يدرسون العلوم الدينية كإطار عام، سواء كان في صورة أسس دينية أو مبادئ وقواعد أساسية للدين نفسه.

ورأى هؤلاء، أن التسامح الديني بين أبناء الشعب الواحد، يبدأ بضم مادة الدين بمسماها الجديد “العلوم الدينية” – الإسلامية والمسيحية معا- في كتاب واحد، بعيدا عن الفصل بينهما، للحد من تكريس القطيعة والفرقة، والتمييز بينهما داخل المجتمع الواحد. وذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن إبعاد الحكومات عن التدخل في التعليم الديني، فيه تكريس للحرية الدينية، وحماية للمواطنين المتدينين وغير المتدينين من الوصاية والتخريف والتحريف والتوظيف، لأن كل اختيار، أو عدم اختيار، في محتوى كتب التعليم الديني، سيعكس بالضرورة تقييما وحُكما، حسب وجهات نظر أصحابه.

دخول المؤسسات الدينية، سواء أزهرية أو مسيحية، في وضع المنهج الديني وفقا لما تراه وما يتواءم مع وضعها السياسي والديني في المجتمع، أصبح وسيلة في يد كل منهما للتحكم في الفصيل الديني التابع له

قال سعدالدين الهلالي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، إن المؤسسات الدينية والحكومات، يجب أن تكون بعيدة عن تعليم الدين، وأن تهتم فقط بتعليم “العلوم الدينية”، مع ضرورة، بل حتمية، أن تحتوي مادة الدين على الإسلام والمسيحية معا، لتمكين الأجيال من العيش مع بعضهما دون انفصال على أساس ديني. وأضاف لـ”العرب”، أن “البعض من الحكومات، تتعامل مع القرآن وكتب الدين على أنها دستور، وهذا خطأ، ولا ذنب للطلاب والمجتمع في هذا الجمود، ولا يجب إلزام الآخرين بقناعات الدين الذي لا ينتمون إليه، فمن يؤمن بالإنجيل فليؤمن به، ومن يؤمن بالقرآن الكريم فليؤمن به”.

ورأى الهلالي أن هذا الأمر يحتاج إلى شجاعة من الحكومات، لأنه لم يعد من الممكن تكريس القطيعة بين المنهج الإسلامي والمسيحي، بإخراج الطلاب المسيحيين، أثناء درس منهج الدين الإسلامي، والمعاملة بالمثل مع الطلاب المسلمين أثناء درس الدين المسيحي، ما قد يدفع بالطفل إلى افتراض وجود مؤامرة عليه من الطرف الآخر. وشرح الهلالي وجهة نظره، بأن خطورة ذلك، بعيدا عن فكرة المؤامرة، أن الطلبة المسلمين لن يعرفوا شيئا عن تاريخ المسيحية، وبالمقابل فإن الطالب المسيحي سيمضي في تعليمه لسنوات دون أن يتعرف على أيّ من قيم الإسلام، وسيعتبر كل فريق أن القيم الدينية التي حصل عليها، مناقضة لتلك التي يتلقاها الآخرون في الحصة المغلقة.

دمج الدينين هو الحل

تماشيا مع هذا النهج، رأى خبراء تربويون، أن دمج المنهجين الإسلامي والمسيحي في كتاب واحد، يضمن إقصاء العنصرية والتمييز من الدروس الدينية، ففي البعض من الدول العربية، يُصنّف المسيحيون في المناهج الدينية الإسلامية على أنهم “نصارى”، وهو مصطلح له ارتباطات وصفية غير متسامحة، تضع المسيحيين في موقع الأعداء للإسلام، إذا تم الاحتكام للنصوص الدينية والتاريخية الإسلامية.

وأوضح هؤلاء، أن اعتماد الكثير من وزارات التعليم العربية على معلمين غير مؤهلين دينيا، أو حتى متخصصين في تدريس المواد الدينية، مثل الحاصل في مصر حاليا، يزيد من بُغض الطلاب للمادة، باعتبارها مليئة بالنصوص الدينية والقرآنية المطلوب حفظها وفهمها على يد معلم، ما يجعل من الدين حالة “رُهاب”. وفي أيّ من المدارس المصرية، ليس هناك معلم متخصص لتدريس مادة التربية الدينية، سواء الإسلامية أو المسيحية، ويتم الاعتماد على معلمي اللغة العربية والتاريخ والفلسفة لتلقينها للطلاب، كما هو مدوّن بالضبط في الكتب الدراسية، دون تهاون مع النص أو تخفيفه أو تبسيطه، الأمر الذي جعل مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، يصف وجود مادة الدين في المدارس، بأنه “مجرد زينة لم يعد يهتم بها أحد”.

وقالت نيفين محمود، عضو رابطة أولياء أمور مصر، إن “الكثير من طلاب المدارس أصبحوا ‘يرهبون’ مادة الدين، بسبب الاعتماد على معلمين، إما غير متخصصين، أو متطرفين فكريّا، أو ذوي عقول متحجرة، ومن هنا ينشأ التطرف والإلحاد”، واستطردت “ابني يبكي يوم مادة الدين من شدة خوفه من هول ما يُدرس له”. وأضافت لـ”العرب”، أن فكرة تخلي المناهج عن تعليم الدين، واقتصارها على تعليم الأمور الدينية، ودمج الإسلامي مع المسيحي، تحتاج إلى إرادة حكومية قوية، لا تخشى مواجهة الإسلاميين المتشددين، ولا يمكن أن يعيش المسلم إلى جوار المسيحي في وطن واحد، دون أن يعرف كل منهما شيئا عن دين الآخر، فالتعايش والتسامح يبدآن من المدرسة.

اعتماد الكثير من وزارات التعليم العربية على معلمين غير مؤهلين دينيا، أو حتى متخصصين في تدريس المواد الدينية، مثل الحاصل في مصر حاليا، يزيد من بُغض الطلاب للمادة

غير أن ثمة عقبات تقف في هذا الطريق، أولها مدى استعداد الحكومة المصرية، والحكومات العربية أيضا، للتأقلم مع هذا الطرح، في ظل صعود تيارات إسلامية سياسية، تتحكم بشكل أو بآخر في وضع السياسات أو منعها، لا سيما وأن تلك الحكومات، لا ترغب في المزيد من الصدام مع هؤلاء ومن يؤيدونهم، فضلا عن وجود نخب أخرى، حتى لو كانت من غير المتشددين ظاهريا، لكنها مازالت أسيرة الماضي، وغير مستعدة للتكيف مع روح التجديد.

اعتراف ضمني

أكد خالد إبراهيم، الباحث والخبير في شؤون المناهج، أن أكثرية الدول العربية، لا تضيف المواد الدينية إلى المجموع، وتجعلها للنجاح والرسوب فقط، ما يعني اعترافها ضمنيا بأن الدين “لا يتحكم في المستقبل التعليمي للإنسان”، ومع ذلك فإن هذه الحكومات ترى في تغيير مضمون المنهج الديني “خطوة غير محسوبة العواقب”، ولذلك تبقي الوضع على ما هو عليه، خشية ردود الفعل الرافضة.

وأوضح لـ”العرب”، أن “مجرد إقناع المجتمع، أي مجتمع، بتغيير مسار منهج دراسة الدين، من تعلم الدين إلى تعلم العلوم الدينية، أو حتى دمج الدين الإسلامي مع المسيحي صعب للغاية، فالمسلمون قد يعتقدون أن واضعي المناهج حذفوا أجزاء إسلامية لإرضاء المسيحيين، وقد يرى المسيحيون نفس الشيء، والمتشددون من كلا الطرفين يستخدمون ‘فزّاعة’ أن إلغاء تدريس الدين يعني هدم الأخلاق”.

وأشار إلى أن دخول المؤسسات الدينية، سواء أزهرية أو مسيحية، في وضع المنهج الديني وفقا لما تراه وما يتواءم مع وضعها السياسي والديني في المجتمع، أصبح وسيلة في يد كل منهما للتحكم في الفصيل الديني التابع له، معتبرا أن إقصاء هذه المؤسسات من مشهد وضع المنهج الديني، بعيدًا عن التشدق بـ”الاستناد إلى المتخصصين”، يمثل بداية لتطبيق العلوم الدينية، وإعلاء التسامح والتعايش بين المجتمع.

كاتبة من مصر

17