من تونس بدأت وإليها تعود

السبت 2014/11/01

وكنّا بدأناها مبكّرين نائحين صائحين داعين دعوة خالصةً لوجه الله ولسواد عيون البلاد قبل أن تخرب البصرة وأخياتها، من أجل عودة رجل الدين إلى موطنه الأصلي وهو المسجد، ومثلهُ شيخ وعقيد العشيرة إلى ديوانهِ ومضيفهِ، وهناك ستتوفّر للإثنين، المنبرية والوجاهة والتكريش الفكريّ، والخطابية المدوزنة التي قد تصير في بعض مفاصلها، معيطةَ لغةٍ تفزّزُ تاسع جار، وتسبي عاشرَ جارة. في هذا الباب، كنّا قلنا وكتبنا في غير موضعٍ وموضع، فلمْ تبحّ الصيحة ولم يصدأ الحرف، بأنَّ الدكتاتورية الدينية الجديدة، لهيَ أقسى وألعن وأشدُّ ضرراً من الدكتاتورية السياسية المتخلفة.

رجل الدين القائم على عرش السلطة وكرسيّها المؤبّد، يقتلكَ ويسبي نساءك ويذبح عيالك ويغنم مالك، ثمّ ينطحك نطحة الرحمة وينتقي لكَ نصّاً قدسيّاً لا يقبل القسمةَ على الضحية والجلّاد، وقد فسّرهُ وذهب به صوب دفتر التأويل المستلّ دائماً من هوى المفسِّر وربما غريزته. هو يشنقك ويقصفك ويكبّر فوق رأسكَ بالثلاث، وإذ تتوسّلهُ وتذكّره ببراءتك ونظافة يدك وصدرك، فإنه يعيد عليكَ آخر جملةٍ يابسةٍ ستقنصها أذناك قبل الموت، أن ألله أمر بموتك وقصاصك، فإن كنتَ على جرمٍ فهذا مآلكَ الحقّ، وإن كنت بريئاً أو على نصف براءةٍ فالجنة مأواك ومثواك محشوراً مع المظلومين الذين قتَلَهم سوء الفهم أو قلة الحظّ !

هذا ما وقعَ ويقع منذ نحو خمسٍ عجفاوات من زمن الجحيم العربيّ، الذي بدا أحايين أنه سيتأبّد فوق رؤوس الناس، لكنْ تشاء المصادفة الحسنة وقوة أنين الضحايا وسخونة دم الشرف، أن يبزغ شعاع الحلّ ثانيةً لتفعلها تونس الخضراء الحيوية الجميلة الشجاعة، فتبدأ بكنس فصل الدكتاتورية الدينوية، تماماً كما كنستْ من قبل، الدكتاتورية السياسية الناهبة، ولتبدأ عدوى التبديل من جديد.

مصر بالحلّ السيسيّ، وليبيا بالحلّ الحفتريّ، وسوريا بإعادة طرح أسئلة الخسارات المقارنة، وبلاد ما بين القهرين المؤجّلة حتى الآن بسببٍ من شدة القسمة المذهبية ولكن إلى حين استعادة العقل الجمعيّ، والخليج العربيّ الباذخ الذي اكتشف متأخرا أن أهله وأرضه قد يكونا هدفاً وصيداً ثميناً لسيلان لعاب الفوضى الخلّاقة كما يشتهي الحرامية الأميركان تدليعها، والحركة بركة، وإن كتبنا مرةً أنّ الصبرَ مفتاحُ البلاد، فإننا الآن نسحبها بعد أن لم يبقَ من الصبر إلّا التصبّر على مضضٍ ومرارة. الدين سهلٌ وممكنٌ وراحةٌ وطمأنينة وصمّام سلام، لكن من دون أن ينزرع فوق دكة المزاد.

24