من "ثابت" التدين الشعبي إلى "متغير" الإسلام السياسي

الاثنين 2014/02/03
هؤلاء وأمثالهم لا علاقة لهم بالتدين الشعبي، بل أفرزتهم تفاعلات سياسية متداخلة

في سوريا وفي سائر أرجاء العالم العربي الإسلامي، مثّل الإسلام ركنا رئيسا من الحياة الفكرية والاجتماعية والثقافية للناس وساد تدين متسامح خلاق، قبل أن تتفاعل ظروف موضوعية معقدة في إنتاج ضرب من التأسلم المتشدد، وفر نمطا سلوكيا وثقافيا مغايرا للتدين الأصيل وسعى إلى تحقيق غايات توظف الإسلام وترنو إلى السياسة.

يدين جزء كبير من الشعب السوري بالإسلام. وبعد الاحتلال الفرنسي ثم الاستقلال، تصاعدت الرغبة في التحرر لدى الشعب الريفي المهمش، وسادت أيديولوجيا قومية نجحت في جعل الحركات القومية تصعد إلى الحكم في الجمهوريات التي حكمتها، وقامت تلك الأحزاب بإصلاحات تنموية نقلت المجتمعات إلى مجتمعات أكثر تمدناً، ولكنها مدنية مشوهة حيث البرجوازية التي تحالفت مع الأحزاب التي حكمت كانت متخلفة بسبب عجزها عن بناء صناعة وطنية ودعم الزراعة، وبالتالي تطوير المجتمع وتحقيق الاستقرار. ضعفها جعلها تتحالف مع الأحزاب التقدمية التي حققت بعض التنمية للمجتمع.

وهذا الزواج المقدس بين البرجوازية والأحزاب التقدمية استمر في تعزيز انقسامات المجتمع الأهلية خدمة لمصالح الطرفين في تحقيق السيطرة والنهب معاً، بعد أن صارت تلك الأحزاب وسيلة لتحقيق الثروة. هذه البرجوازية المدينية دعمت، ولازالت تدعم، المؤسسات الدينية في المدن الرئيسية خصوصاً، لتطويع الأيديولوجيا الدينية لخدمتها وخدمة النظام.

منذ الاستقلال حُكِم الشعب السوري بدساتير ذات قوانين وضعية مدنية، وإن كانت تراعي عدم مخالفة المزاج العام، أي في التدين بالإسلام السني. ولم يحسم الأمر في أن تكون تلك القوانين مستقلة كلياً عن الدين.

ومع تزايد التفقير والبطالة وصعوبة العيش، خصوصاً في الأرياف السورية والأحياء المهمشة، إضافة إلى التضييق الأمني المتواصل، بدا واضحاً اللجوء إلى التدين أكثر من قبل لدى فئات الشباب خصوصاً، حيث انسدت أمامهم كل سبل الأمل في مستقبل أفضل وفي التعلم وفي الحصول على فرص عمل، وفي ممارسة كل أشكال الأنشطة السياسية والثقافية والمدنية، حيث طالت السيطرة الأمنية المجتمع برمته. وشمل التدين عموم المجتمع المفقر في الأرياف، وشمل طوائف مختلفة، حيث باتت الكنائس والمقامات مثلها مثل الجوامع تغص بزائريها المواظبين.

ظواهر طارئة في بيئات ملائمة

لم يكن التدين مسيساً، سوى أن السلطة دعمته وبنت الجوامع والكنائس ومدارس تحفيظ القرآن. فأخذ التدين طابعاً شعبياً هو أقرب إلى التصوف والانصراف إلى طقوس العبادة؛ لكنه جعل المناطق الأكثر تهميشاً تشكل بيئة ملائمة لتجنيد المتطرفين؛ ولعل مناطق حوض الفرات التي تعاني الجفاف الشديد وتدهور الزراعة، وكذلك مناطق الريف الحلبي شكلت تلك البيئة، التي استغلها النظام لتجنيد المتطرفين بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وإرسالهم إليه كجزء من تنظيم القاعدة، وذلك على أيدي مشايخه المرتبطين بالأجهزة الأمنية، ثم بعد عودتهم ألقى بهم في سجونه ليخرجهم منها بمراسم العفو المتتالية بعيد انطلاق الثورة السورية؛ واللافت أن تنظيم داعش في سوريا تمكن من السيطرة على المناطق الأكثر فقراً في حوض الفرات وريف حلب، قبل أن تنتفض ضده وتبدأ بطرده.

ثار الشعب على النظام، وصمدت المناطق الأكثر معاناة في الأرياف وفي الأحياء المهمشة، وذلك ليس طلباً لمزيد من الأسلمة والتدين وليس لأسباب طائفية، بل بسبب صعوبة العيش التي وصلت إليها المناطق المفقرة، بعد ضرب الزراعة والصناعة نتيجة الانفتاح الاقتصادي، وبعد تزايد البطالة وتضاعف الضرائب؛ وبالتالي ليست الأسلمة بمعناها السياسي هي الهدف بل هي طارئة؛ وقد أدى التعامل الوحشي من قبل النظام مع تلك المناطق إلى تزايد التدخلات الخارجية من أطراف عربية، وبالتالي ظهور تنظيمات متعددة تنادي بدولة الخلافة الإسلامية وبالحكم الإسلامي، ومنها الجبهة الإسلامية التي تمارس السلطة في المناطق التي تسيطر عليها، حيث تعتقل النشطاء وتصادر الحريات العامة، ولا تتبع استراتيجية مجدية في قتال النظام، فهي تتحالف مع جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة؛ وكثيراً ما تنصرف تلك الجبهات إلى فرض سيطرتها على الشعب أكثر من وضع الخطط العسكرية؛ والواضح أن تململاً شعبياً يعانيه الشعب في مناطق سيطرتها.

الحكم.. كشاف العيوب

تم تضخيم شعبية الإخوان المسلمين في الثورة، وهي شعبية تراجعت لاحقاً حيث اكتشف الشعب دورهم البائس في التحكم في كيانات المعارضة المتشكلة، المجلس ثم الائتلاف قبل توسعته، وبالتالي دورهم في فشل المعارضة في دعم الثورة. في حين أن التنظيمات المسلحة ذات التوجه السلفي المتشدد ترفض الإخوانيين وتنعتهم بالبراغماتيين، بسبب قبولهم “بالديمقراطية” وبمشاركة الليبراليين في كيانات المعارضة. لكن للإخوان دور صغير في العمل العسكري، حيث شكلوا كتائبهم الخاصة، ودور آخر في العمل الإغاثي من خلال الجمعيات الخيرية الممولة عبرهم من دولة قطر، ويحاولون نشر فكرهم الأصولي عبر التحكم بالمؤسسات التعليمية والتربوية في المناطق المحررة.

الردة الأصولية لتنظيمات الإسلام السياسي التي تقول بالدولة الإسلامية تنكر الواقع الراهن المختلف عن واقع الدولة الإسلامية في العصور الوسطى

وصلت تنظيمات الإسلام السياسي إلى الحكم في تونس ومصر وليبيا -جزئياً- في المرحلة الانتقالية، حيث كُشفت عيوبها، فسقطت في مصر وتعاني من معارضة شعبية واسعة في تونس. ولا يبدو أن نصيبها من الشعبية أفضل في سوريا؛ فهي إن وصلت إلى الحكم فستعاني من عجزها عن تحقيق الاستقرار والتنمية. فهم يقولون بأن مشروعهم الإسلامي يمثل العدل والمساواة؛ ويأملون في الوصول إلى الحكم في كل العالم العربي، أملاً منهم في عودة الإمبراطورية الإسلامية التي كادت تسيطر على العالم في العصور الوسطى.

مشروع طائفي بالضرورة

مشروع الإسلام السياسي بكل توجهاته ليس إلا أوهاماً لمريديه، لأسباب عديدة، أهمها: أولاً: عنصريته وفئويته الضيقة وطائفيته، وبالتالي تناقضه مع مبدأ المواطنة، مما سيجعل قطاعات شعبية واسعة ترفضه مسبقاً، كونه ينظر إلى الأقليات الدينية وكذلك العرقية كمواطنين من الدرجة الثانية، تحت مسمى التسامح الإسلامي مع الأديان و”الأعاجم”.. وبالتالي سيجبرون بقية الشعب، أي من المسلمين السنة، على الأصولية والطائفية، تماشياً مع مشروعهم الفئوي.

وثانياً وهو الأهم: الردة الأصولية بالضرورة لتنظيمات الإسلام السياسي التي تقول بالدولة الإسلامية، أو التي تسعى إلى أسلمة الدولة بعد الوصول إلى الحكم؛ هذه العقلية تنكر الواقع المختلف كلياً عن واقع الدولة الإسلامية في العصور الوسطى، حيث كانت تلك الدولة امبراطورية “تحكم العالم”، وتسيطر على معظم طرقه التجارية، وبالتالي كانت الحرف والمنغلقات الصناعية في أوجها وكذلك المنتوج الزراعي، حيث أسواق التصريف متاحة بسبب الغزوات المستمرة لتوسيع الدولة؛ في حين أن الواقع الراهن مناقض تماماً حيث العولمة الاقتصادية والهيمنة الإمبريالية للدول العظمى، والتي تريد فتح العالم كله أمام منتجاتها وأمام السيطرة على المواد الخام، النفط خصوصاً. ومشروع الإسلام السياسي لا يلحظ ذلك مطلقاً، لدرجة أنه يتقبل تلك الهيمنة، ويشارك في تحقيقها عبر موافقته على الحلول الليبرالية للاقتصاد، أي إبقاء ما كان سائداً في عصر الأنظمة السابقة، بل ويتطلع إلى مزيد من الاستثمارات التجارية، وهو ما يحصل في تونس ومصر وليبيا، مثلهم مثل بقية التوجهات الليبرالية، في حين أنهم ينظرون إلى إطلاق الحريات العامة، الفردية والدينية والسياسية والثقافية وحرية التعبير والتظاهر…، نظرة تكفير. ولا يجدون حلولاً لمشكلات الفقر والبطالة غير الجمعيات الخيرية والصدقات، وهو ما يناقض مبدأ العدالة التي يتشدقون بها، حيث يرسخون انقسام المجتمع إلى أغنياء نبلاء كرماء، وفقراء مسحوقين وغير محترمين. وبالتالي فإن مشروع الإسلام السياسي فاشل في قدرته على تحقيق التنمية والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وفاشل في تحقيق الاستقرار والبقاء في الحكم، إن تمكن منه.

13