من جريمة العنبر 12 إلى جريمة تفجير بيروت

من الصعب التكهن بمآلات الوضع في لبنان بعد ما حدث، فهل ستمر المسألة بتحميل المسؤولية لبضع مسؤولين إداريين يتم انتقاؤهم من ضحايا الانفجار ذاته وبالتالي يتم دفن القصة نهائيا.
الجمعة 2020/08/07
دمار هائل في لبنان

تسجّل تلك الجريمة المهولة التي تمثّلت بتفجير مرفأ بيروت، ونجم عنها تدمير حوالي نصف تلك المدينة الجميلة، التي تتموضع بين البحر والجبل، والتي كانت قبلة للفنون والصحافة والمطابع والمصارف والسياحة في المنطقة، علامة جديدة على انهيار المشرق العربي، من العراق إلى سوريا وصولا إلى لبنان، بخاصة منذ صعود نظام الولي الفقيه في طهران (1979).

المشكلة لا أحد يعرف (حتى بعد 24 ساعة) كيفية انفجار تلك المواد التي نجم عنها كل هذا الدمار، إن كان بسبب إهمال في التخزين، أو بسبب ماس كهربائي أو حراري، أو بسبب قصف إسرائيلي، بطريقة ما، علما أن العديد من المسؤولين اللبنانيين، كانوا تحدثوا عن مجرد حريق، أو انفجار كمية كبيرة من المفرقعات المستخدمة للمناسبات، في استخفاف خطير بعقول الناس، وفي محاولة لطمس حقيقة ما حدث، والتغطية على المسؤول عنها.

 بيد أن المشكلة لا تتوقف عند ذلك الحد فثمة أسئلة تسبق كل ذلك، وهي التي يجري حجبها، أو التلاعب بخصوصها، فمن السذاجة الاعتقاد أن الأمر يتعلق بمجرد إهمال إداري، أو سوء تخزين، وحتى مع افتراض قصف إسرائيلي، أو من دونه، إذ لا يمكن أن تحجب حقيقة مفادها أن ثمة جهة ما مسؤولة عن وجود تلك الكمية الهائلة من المواد المتفجرة في المرفأ، في مكان عام مخصص للخدمة المدنية، علما أن الحديث عن مادة نترات الأمونيوم، وبحجم قدره 2750 طنا، ما نجم عنها هزة أرضية في مربع 15 كلم، بل إن صدى صوت الانفجار وصل إلى قبرص وإلى مدينة صيدا.

الأسئلة الأساسية إذا، السابقة للانفجار، تتعلق بالرواية عن تلك الباخرة التي كانت تحمل كل تلك الحمولة المتفجرة، والتي أتت من جورجيا والذاهبة إلى موزامبيق (بحسب المزاعم)، والتي أصابها عارض في وسط البحر فلجأت إلى ميناء بيروت، لكن لا أحد سمى صاحب تلك الباخرة، كشخص أو شركة أو دولة، ولا أحد عرف ما هو سبب حملها كل تلك الحمولة مرة واحدة، والأهم لم يذكر أحد لماذا تم تفريغ كل تلك الحمولة الخطيرة في المرفأ، ومن الذي أمر بذلك، ثم من الذي صادق على تخزينها كل تلك الفترة (الحديث يدور عن عدة أعوام أو منذ 2014)، بالنتيجة فقد شكلت الحكومة اللبنانية لجنة إدارية للتحقيق، كأن المسؤول مجرد موظف، أو عدة موظفين!

طبعا، تلك كلها مجرد ملاحظات. ولكن، يجدر التذكير هنا أن “حزب الله” هو الذي يسيطر على كل شيء في لبنان، فهو الآمر الناهي فيه، من المطار إلى الميناء إلى المعابر مع سوريا، ومن لبنان إلى طهران وبالعكس. وهو الناخب الأول للرئيس ولرئيس الحكومة وللوزراء ولرئيس مجلس النواب. وربما يفيد التنويه إلى مسارعة ذلك الحزب لنشر عناصره في المرفأ، أي في مسرح الجريمة، بعد الانفجار، مع استبعاد كل أجهزة الدولة المعنية، كأنه يحاول أن يخفي شيئا.

والأكثر إثارة للتساؤل أن ذلك الحزب لم يوجه أي اتهام لإسرائيل عن ذلك الانفجار المريع، علما أنه كان سابقا يسارع إلى توجيه الاتهامات والتهديدات إليها، على أي شيء كان، صغيرا أم كبيرا، بل إنه رفض حتى تشكيل أي لجان دولية للتحقيق في ما حدث (ما يفسر مسارعته السيطرة على مسرح الحدث)، ما يشي بنوع من التواطؤ المتبادل، غير المباشر، إذ يمتنع حزب الله عن اتهام إسرائيل، وطبعا إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها، كأنه يسعى في ذلك لتجنب الإحراج، بإعفاء نفسه من الرد على ذلك الاعتداء، والدخول في مواجهة لا يريدها مع إسرائيل.

شعب لبنان دفع ثمن خيارات حزب الله
شعب لبنان دفع ثمن خيارات حزب الله

الآن، بغض النظر عن دور إسرائيلي في هذا التفجير من عدم ذلك، إذ أن حزب الله هو المسؤول عن وجود كل تلك الكمية الكبيرة من المتفجرات في المرفأ، وكل تلك الفترة الطويلة، وهي على ما يبدو نتاج تعاونه مع إيران لبناء ترسانة عسكرية كبيرة في لبنان، من دون أن يبالي بمصائر اللبنانيين، علما أن إسرائيل بينت مرارا علمها بتفاصيل هكذا خطط، ووجهت ضربات عديدة لحزب الله في سوريا ولبنان، بل إنها منذ أيام هددت بأن تجعل لبنان يدفع ثمنا كبيرا في أي مواجهة مقبلة مع حزب الله.

في هذا الإطار يمكن العودة إلى كلمة بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، التي ألقاها في الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة (سبتمبر 2018)، والتي حذر فيها صراحة النظام الإيراني من مغبة نشر جزء من ترسانته النووية في طهران، باعتبار أن ذلك بحسب قوله يشكل تهديدا لسكان طهران (وهو ما حصل لبيروت). وفي ذات الشريط (موجود على شبكة يوتيوب) وجه نتنياهو كلامه إلى حزب الله، وهو يحمل صورة كبيرة لبيروت عليها علامات معينة تشير إلى مواقع لحزب الله، قائلا “هذه رسالة إلى حزب الله… تعلم إسرائيل ما تفعلونه… وأين تنشطون… لن تسمح لكم بالإفلات من العقاب”.

طبعا ليس القصد من ذلك التقرير بأن إسرائيل فعلت، أو لم تفعل، وإنما القصد لفت الانتباه إلى أن إسرائيل كانت تتابع ما يحصل، بل إنها نبهت الحزب إلى معرفتها بمواقع ترسانته، منذ عامين، وأنه كان عليه أن يتصرف، لا أن يبقيها في أماكنها، ما يضفي مسؤولية مضاعفة عليه.

باختصار، لقد دفع شعب لبنان ثمن خيارات حزب الله، وأجندته، كذراع إقليمية لإيران، في حين لم تفعل صواريخه شيئا إزاء إسرائيل، علما أنه حتى في فترة مقاومته لإسرائيل، التي توقفت في العام 2000 (باستثناء عملية خطف جنديين في 2006) كانت عملياته تقتصر على الشريط الحدودي، وها هو يصرف طاقته القتالية في قتل وتشريد السوريين، منذ عشرة أعوام، رغم كل الاعتداءات الإسرائيلية عليه وعلى المواقع العسكرية التابعة لإيران، مع التذكير بوقوفه بحزم ضد الحراك الشعبي في لبنان المناهض للفساد والطائفية (قبل أشهر).

من الصعب التكهن بمآلات الوضع في لبنان بعد ما حدث، فهل ستمر المسألة بتحميل المسؤولية لبضع مسؤولين إداريين، قد يتم انتقاؤهم، على الأغلب، من ضحايا الانفجار ذاته، وبالتالي يتم دفن القصة نهائيا؟ وهل ستتكرر تجربة اغتيال رفيق الحريري وحسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة وجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني وغيرهم؟ ثم كيف سيخرج حزب الله من المسؤولية عما حصل؟

هذه الأسئلة وغيرها بيد اللبنانيين اليوم، عافى الله لبنان.

9