من "جماعة حاكمة إلى جماعة هاربة".. أخطاء الإخوان في السلطة

الاثنين 2013/11/04
مرسي عجز أن يكون "رئيسا لمصر"

المحاكمات التي تخضع لها قيادات الإخوان مؤخرا أعادت إثارة قضية وصولهم السريع إلى الحكم وإسقاطها منه بالسرعة ذاتها؛ تجربة قصيرة في الحكم أبانت النزوع الإخواني إلى الهيمنة على كل شيء؛ الدولة والمجتمع والمؤسسات، فضلا عن طرق التعامل مع الخصوم وحتى مع حلفاء الأمس.

في سياق دراسة تجربة الحكم الإخوان في الحكم، أكد حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أنه خلال الفترة التي تلت تنحي الرئيس حسني مبارك عن الحكم عام 2011، شهدت مصر عقبات وأخطاء في صناعة القرار، فالمجلس العسكري الحاكم آنذاك برئاسة المشير السابق حسين طنطاوي كان يرى أن الإخوان هي القوى الصاعدة والمستعدة للقفز على السلطة التنفيذية والتشريعية، وبالتالي كانت هناك توافقات داخلية وخارجية حول كيفية تسليم السلطة لفصيل سياسي جاهز لإدارة شؤون البلاد، وخلال عام تحت حكم الرئيس مرسي شهدت البلاد انقسامات واستقطابات لم تساعد الجماعة على بسط نفوذها على رفقاء الميدان، حيث سقطت في براثن الضباب الشعبي والجماهيري، فخرج الشعب يطالبها بالرحيل، لتصبح من جماعة حاكمة إلى جماعة هاربة سارت في مسار التطرف.

وأوضح حسن نافعة أنه خلال فترة حكم مرسي زار الكثير من الوفود الغربية مصر بانتظام، وكانوا يجتمعون مع قادة الإخوان والسلفيين لفهم الاتجاهات السياسية بطريقة مباشرة مع هؤلاء القادة داخل الدولة الإسلامية الناشئة، لكن الصورة الوردية التي رسمتها الجماعة مزقها محمد مرسي ومكتب الإرشاد، ولم يدركوا خطورة الوضع الإقليمي في حكم أكبر دولة في العالم العربي، وكان الإخوان يحتاجون إلى إجراء تغييرات في طريقة إدارة البلاد، لكنهم عاندوا الجميع وتحدوا الشعب حتى لفظهم، والآن يواجهون المحاكمات بنفس الطريقة التي واجهها نظام مبارك.


الخوف من التعددية

وفي السياق ذاته أشار عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أن إخوان مصر كان يجب عليهم حذو أسلوب وطريقة الأتراك والتونسيين من خلال تبني التعددية والقبول بأن الدولة العلمانية ليست بالضرورة معادية للإسلام، لكنها في الواقع تضمن الحرية الدينية للأقباط والإسلاميين والأقليات الدينية داخل مصر، ولسوء الحظ تجنبت جماعة الإخوان نصيحة رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا، وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية، الذي نصح مرسي والإخوان في 2012 قائلاً: «إن ميدان التحرير لن يستمر في تأييد مرسي إذا لم يتقاسم السلطة مع الساسة العلمانيين والأحزاب السياسية الأخرى»، ورغم أن الغنوشي يواجه اضطرابات سياسية في تونس، إلا أن حركة النهضة سارت على طريق وضع بنود الهوية الإسلامية في الدستور بالتوافق مع كافة القوى السياسية التونسية، بينما كان الإسلاميين في مصر يقاتلون بضراوة للانفراد بالدستور.

الجيل الأسوأ في تاريخ الجماعة

واتفق في الرأي وحيد عبد المجيد الأمين المساعد لجبهة الإنقاذ الوطني، أن أردوغان والغنوشي على حد سواء يعرفون قوة «الدولة العميقة» في بلدانهم، وأن النخبة العلمانية هناك لن تجلس مكتوفة الأيدي في حال تغير هوية الدولة مثلما حدث في مصر، في المقابل استخف مرسي وجماعته بالمصريين واستهزأوا بقوة حشد العلمانيين والأقباط ضدهم، وأيضاً كان هناك رفض من أجهزة الدولة ضد التوغل الإخواني في المؤسسات وعلى رأسها الأزهر، السلطة القضائية، الإعلام والشرطة. كما أخطأ الإخوان أيضاً في الاعتقاد بأن لديهم ما يكفي من الدعم الغربي للبقاء في السلطة لمدة أربع سنوات، والأسوأ من ذلك اعتقاد مرسي بعد تعيين الفريق أول عبد الفتاح السيسي أن ولاء الجيش المصري أصبح لشرعية بقائه، بالإضافة إلى أن الجماعة فشلت في احتضان النخبة، وهذه من الأسباب الهامة التي أفقدت الجماعة قوتها في الشارع وفي السلطة، وهو عكس ما كان يفعله حسن البنا مؤسس الجماعة خلال فترة حياته (1906-1949)، والذي كان يرى أن القاهرة هي نخبة المجتمع بشكل خاص، وكان يتردد على دار الأوبرا الوطنية، وفهم قوة وسائل الإعلام والجيوش في التقدم والصعود، حتى أنه استطاع إنشاء واحدة من أولى المجلات العربية.

وتابع؛ يعد جيل الجماعة الحالي المتمثل في قادة مكتب الإرشاد أسوأ جيل سياسي في تاريخ الإخوان المسلمين، وجميعهم يواجهون المحاكمات، حيث فشلوا في فهم الواقع المصري بعد ثورة يناير، ولم يستثمروا فرصة التواجد على رأس السلطة بعد السعي لها لأكثر من ثمانين عاماً، وبالتالي خرجت الجماعة من القاموس المجتمعي والشعبي، والمطلوب من قادة الجيل الثاني تجاوز الدائرة الضيقة التي كان يدور فيها قادة مكتب الإرشاد، والعمل على إعادة توازن الخطاب السياسي مع النخبة وجميع القوى السياسية، بالشكل الذي يضمن إمكانية مشاركتهم في السلطة مستقبلاً بدلاً من العودة إلى العمل السري مجدداً.

المناورة بالورقة السلفية

في حين يرى السعيد كامل رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، أن ابتعاد الإخوان عن السلفيين كانت وراء تآكل نفوذهم، وهو سبب اعتبار الإخوان طائفة منبوذة دينيا بعد التقارب مع الشيعة وإيران، وسياسيا بعد الاعتماد والتهديد بواشنطن والاحتماء بها، واجتماعيا بعد فشل مرسي وجماعته في تحقيق تطلعات المصريين لمدة عام كامل.

لافتا إلى أن الجماعة فور تشكيل حكومة هشام قنديل أو القائم بتعديلات وزارية نبذت السلفيين بشكل تام، لكنهم حرصوا على استيعاب السلفيين في عملية كتابة الدستور، ودعوتهم بانتظام إلى القصر الرئاسي، وجدولة الاجتماعات المتكررة مع القادة السلفيين لعدم إغضابهم، ولكن بمجرد تشويه الرموز السلفية مثل خالد علم الدين مستشار الرئيس مرسي لشؤون البيئة بعد اتهامه باستغلال نفوذه، حدث الابتعاد بين الطرفين إلى دون رجعة، وهو ما كان سببا لاحقا في موافقة حزب النور السلفي على عزل الرئيس مرسي والمشاركة في خارطة الطريق بعد تصاعد الغضب الشعبي ضد الإخوان، مؤكداً أن المناورات السياسية بين الطرفين ساعدت السلفيين كثيراً في الفوز بالمعركة ضد الإخوان.

الأفراد قبل المؤسسات

ويرى محمود بدر المتحدث باسم حركة تمرد، أن فشل الإخوان في الحكم يرجع إلى كونهم اعتمدوا على الأفراد لا على المؤسسات، على سبيل المثال أخطأ الرئيس مرسي في اعتقاد أن الفريق أول السيسي سيكون رجل الجماعة داخل الجيش، فقط لأنه متدين وزوجته ترتدي الحجاب، وأيضاً في التعامل مع الولايات المتحدة، وبدأ مرسي في الاعتقاد بأن التقارب مع آن باترسون السفيرة الأميركية بالقاهرة ينعكس لصالح واشنطن بما يعود بالنفع على دعم مؤسسة الرئاسة والجماعة في الحكم. وبالمثل أغفل مرسي خطورة ثقافة حماس الإرهابية على الأمن القومي وفضل التواصل مع خالد مشعل بطريقة منتظمة، في حين تجاهل ترسيخ علاقات جيدة مع قادة الجماعة الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح.

وطالب بدر قيادات الجيل الثاني من الإخوان بإصلاح أحوال الجماعة من أعلى إلى أسفل، والبداية لابد أن تكون مع المؤسسة العسكرية وتقديم يد المصالحة مع الدولة، وأيضاً السلطة القضائية، ووسائل الإعلام وكافة مؤسسات الدولة التي استعداها النظام السابق، لكن عليهم الحذر من مخطط العودة إلى الحياة السياسية المصرية بشكل ظاهري فقط، أو الاستناد على حفنة من التعددية السياسية أو إقامة علاقات مع النخبة الحاكمة، وفي الوقت الذي نجد فيه معظم قادة الإخوان في السجن ويواجهون المحاكمات واتهامات بالتخابر وقتل المتظاهرين، قد يكون هذا الوقت مناسباً لأصحاب الفكر والعقل من قيادات الإخوان الجدد لتنفيذ الإصلاحات المذكورة بهدف مساعدة التنظيم في العودة مجدداً إلى الشعب بطريقة شفافة وأكثر تقبلاً عند المواطن ومؤسسات الدولة.

13