من حرب إلى أخرى

الاثنين 2015/04/13

يودّ المثقف التنويري لو يكتفي عند كل حرب بترديد نفس الشعار، لا يزيد عنه ولا ينقص: أوقفوا هذه الحرب. لكن هل يمكن لهذا الموقف أن يوقف الحرب دون حل النزاعات التي تسبقها فتشعلها وتغذيها؟

ليس يخفى أن كل حرب محورية مجرد نقطة تقاطع بين مسارات عنفية عديدة، ثم أن كلّ حرب تلد أخرى كما يقال؟ يودّ المثقف التنويري، لو يقول قولا مختزلا وسهلا: لا شيء يبرر الحرب، ولا نقاش في التفاصيل.

لكن، هل يمكن لهذا الموقف أن يحمل معنى واضحا؟ حين أقول إنّ دور المثقف التنويري أن يندد بكافة أشكال العنف من حروب وجرائم وغيرها، ولعلّ دوره كذلك، فإنّ ثمّة أسئلة لا يمكن إهمالها.

السّلام الأبديّ بالمعنى الكانطي هو أفق التنوير، الأفق الذي لا يجب أن ننزاح عنه في كل الظروف، ومع أنّه الأفق الذي لا يمكننا بلوغه، وهذا خبر لا بأس به طالما لا نعرف أيّ مصير ينتظر النّوع البشري في ظل السلام المطلق، إلا أنّ هذا لا يبرر الابتعاد عن أفق السلام الدائم، يتعلق الأمر هنا بالمستحيل الضروري، أو بالغاية التي لا تُدرك ولا تُترك طالما أنها حافز أخلاقي للكفاح من أجل تقليص مجالات العنف والحروب، مثل السّعادة التي لا يمكن بلوغها ومع ذلك تظل حافزا ضروريا للعمل من أجل جعل الحياة أقلّ شقاء. لكن، لا نملك الدليل الكافي على أن بعض الحروب لم تكن عادلة.

ومن باب الاستدلال بوسعنا أن نتساءل: هل يمكننا أن نزعم، بكل تجرّد، بأنّ الحرب “الغربية” على نظام أدولف هتلر لم تكن عادلة؟ هل بوسعنا أن نجزم، بكل ثقة، بأنّ الحرب “الغربية” على صربيا، عقب مجزرة سربرنيتشا، لم تكن عادلة؟ هل بوسعنا أن نستنتج بكل نزاهة بأنّ حرب “الناتو” على نظام القذافي بعد أن شرع في قصف المدنيين بالطائرات، لم تكن قرارا صائبا؟ هل نملك ضمانات عن مآل بلاد الرافدين في غياب ضربات التحالف على مواقع داعش؟

دعنا من التفاصيل التي تحتمل النقاش، وهذا طبيعي، لكننا نناقش المبدأ نفسه، والذي يسمى في أدبيات الفكر السياسي الراهن بـ“الحق في التدخل”. فعلا، يعجز المثقف التنويري عن الاعتراف بأنّ بعض الحروب قد تكون عادلة، لكن ليس بسبب أن الأمر خلاف ذلك، وإنما السبب أن تبرير بعض الحروب قد يقود مباشرة إلى تبرير كل الحروب، وهذه معضلة. إن تبرير الجزء يفتح الباب أمام تبرير الكل أيضا، لا سيما في غياب معايير واضحة لما قد نسميه بالحروب العادلة.

نحن أمام مفارقة محرجة: التدخّل العسكري في شؤون أي بلد غير مقبول، لكننا لا نملك في المقابل ما ينفي أن بعض أشكال التدخل العسكري كان ضروريا لدواع أمنية أو حتى إنسانية، على الأقل من باب الشر الذي لابد منه. وستبدو المفارقة أشد وطأة حين يكون لعدم التدخل معنى واحد: التفرج على المجزرة أو المحرقة أو المقتلة أو الإبادة.

يتمنى المثقف التنويري لو لم يكن الأمر كذلك، لكن المعضلة أنّ الأمر يكون أحيانا كذلك. وتلك ثغرة في مفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها. فماذا لو كان مصير الشعوب أن تتعرض للإبادة؟ ماذا لو كان مصيرها أن تقصف بالأسلحة الكيماوية؟ ماذا لو كان مصيرها أن تُذبح مثل الأكباش؟ من يقبل أن يتفرج على الجرائم ضد الإنسانية بدعوى عدم المساس بالسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ لكن المعضلة تكمن في أننا إذا رفعنا التدخل إلى مرتبة الحق أو الواجب فقد نفتح أبواب الجحيم. فهل من مخرج؟

ثمة فراغات تشريعية كبرى، فراغات في مستوى السياسيات الكونية، تحتاج إلى جهد جهيد، وتستدعي فتح آفاق قانونية ومؤسساتية وفلسفية جديدة، وهذا مقام آخر. وأما الآن، بصرف النظر عن الموقف الأخلاقي من الحروب، هناك، من حيث التفاصيل، ثلاثة محاذير يجب أخذها بعين الاعتبار:

أولا، ثمة حالة مزاجية تجعل الرأي العام الدولي يتسامح مع بعض الضربات الجوية التي قد يراها ضرورية، أو لعله لا يعلم عن أبعادها شيئا، لكن هناك شرط غير معلن، وهو ألا يطول مدى الحرب ولا تتحول الضربات الجوية إلى حرب برية. والحال، حتى إسرائيل تدرك هذا المعطى، لذلك لم يعد أي عدوان عسكري تشنّه يتعدّى أسابيع معدودة، تحاول بعدها أن تجني الثمار السياسية بسرعة قبل أن ينقلب المزاج العام عليها.

ثانيا، بصرف النظر عن الموقف المبدئي من أي حرب، هناك حاجة إلى حظر استعمال أسلحة الخطاب الديني، والتي قد تفيد في التجييش والتهييج لكنها سرعان ما تحول الحرب إلى حرب دينية وطائفية لا أفق لها ولا حل، مثلما تحول كل صراع من صراع سياسي قابل للتسوية إلى صدام ديني طائفي يأكل اليابس والأخضر. وإن كان “صاحب الباطل” لا يملك من حجة غير اللجوء إلى معتقداته التي لا تقنع أحدا غيره، فإن “صاحب الحق” متى فعل ذلك، سيخسر حجته ويتساوى مع “صاحب الباطل”.

ثالثا، يجب التحكم في مفاتيح الحل السياسي خارج غرف العمليات الحربية. وهذا فنّ مستقل بذاته، فيه الكثير من التفاصيل الدّقيقة والحكمة البليغة. لكن القاعدة أنّ الحل السياسي لا ينبع صدفة، وإنّما يخضع لتدبير خاص، ويستوجب بدائل ودقّة في توزيع الأدوار بين الأصدقاء، حتى لا تغدو الحرب مجرّد تعبير غريزي عمّا يسميه أفلاطون النّفس الغضبيّة. وهو الدّرس الذي أغفله حزب البعث العراقي سابقا.

كاتب مغربي

9