من حقي أن أعيش بينكم

أغلب المجتمعات العربية لا تهتم في تقسيمها غير العادل بتخصيص فسحة أمل للمرضى وتربّي أجيالها على ترديد نعوت لا تليق بإنسانيتهم.
الثلاثاء 2018/03/27
ريم البنا صنعت الابتسامة رغم أنف آلام المرض

“لا تخافوا، هذا الجسد كقميص رثّ لا يدوم حين أخلعه.. الموت كالتاريخ، فصل مزيّف”، فضلت أن أنطلق من آخر ما كتبت الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم البنا على صفحتها على فيسبوك، لأشدد على أن الجسد مجرد وعاء أو قميص يسترنا إلى حين، فبالموت ينصهر ويتمرغ بأصوله الترابية ولا يبقى من ذكرى فلان أو علان إلا ما ترك من إرث محترم إما يديمه جيل بعد آخر وإما يظل عالقا بقلوب آله وذويه فقط.

ما أريد قوله أن جهابذة من خيرة القوم في مجالات مختلفة وقفوا بكل ثبات في وجه أجساد أعياها المرض وملأها رقعا وحقننا وشاشا، تصدوا لنظرات مجتمعاتهم المقزمة النابذة المرددة في السر والعلن للتصنيف العرقي الذي وضعه الألماني أدولف هتلر من جملة مبادئه النازية المؤمنة بإمكانية تحسين الجنس البشري عبر القضاء على المعوقين وأصحاب التشوّهات.

ليس هذا فحسب بل تحدّوا النظم والنواميس والدساتير المسقطة منها أسماؤهم، وصنعوا لأنفسهم مجدا خلد الثوب البالي في سجلات الحالة المدنية وبين أدوات باحثتين وأطباء عاكفين ليل نهار لإيجاد حل للموعظة، طبعوا زبدة تجاربهم وبنات أفكارهم بقلب تاريخ الأمة السليمة من كل العلل في غفلة منها، فالسبات لا يحمي المغفلين، وإنما يعمّق جهلهم.

لم تكن ريم البنا استثناء في مكابرتها لتصنع ابتسامة في وجه مغتصبي أرضها رغم أنف آلام مرض يعصف بسواكنها، إذ أثبت بعض الأساطين أن عجز الجسد ليس إلا حالة عرضية تشحنهم بالقوة لرصد ما لا يرى بالعين المجردة وأول ما وقعوا عليه ببصيرتهم النافذة أن “الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى”، وعلى هذا الأساس المتين بنوا مجدهم.

شعوب تُدين العنصرية وتغرق في أصولها حتى النخاع، لا مدارس مجهزة، ولا نواد مخصّصة، ولا عقلية قابلة، كل هذه الضرورات من حق كل مريض، إعطاؤه فرصة للعيش

عانى عالم الفيزياء الألماني ألبرت آنشتاين من صعوبة في الاستيعاب، بالإضافة إلى أن مُدرِّسيه لم يُرشحوه للدخول إلى الجامعة، ومع ذلك حاز على جائزة نوبل، وليس هذا فقط بل وتم حفظ دماغه في جرّة عند الطبيب الشرعي توماس هارفي الذي قام بتشريح جثته بعد موته، بهدف إجراء اختبارات على الدماغ والوقوف على بعض من أسراره ولا يزال ذاك الدماغ الذي أنتج هذه المقولة الشهيرة “الخيال أهمّ من المعرفة، لأن المعرفة والمعلومات يمكن لأي أحد أن يصل إليها لكن الخيال يوظف هذه المعرفة للوصول إلى الحقيقة”، إلى اليوم لغزا يحيّر العلماء.

العالم المجنون كما نعته البعض وضع بصمة لا تمحى كذلك فعل ستيفن هوكينغ الذي وافته المنية منذ فترة قصيرة فهو يعتبر قدوة في التحدّي والصبر ومقاومة المرض، وإنجاز ما عجز عنه الأصحّاء.

ولو حاول شخص ما تحيين التاريخ سيجد أن رهطا ممن كتبت أسماؤهم بماء من ذهب كانوا يعانون الكثير من المشاكل الصحية أو النفسية فمثلا كان أبرز الممهّدين لعلم النفس الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه مُبتل بمتاعب صحية معظم حياته انتهت بانهياره وفقدانه لكامل قواه العقلية.

وليس ببعيد شهدت آخر دورة للألعاب الأولمبية عودة أبطالنا التونسيين الأصحّاء بخفيّ حنين في حين توّج العديد من اللاعبين من ذوي الاحتياجات الخاصة بجوائز وميداليات.

لا يمكن حصر أو اختصار الأسماء اللامعة ممن قطعت أجسامهم حبال التواصل مع الآخر ومدّوا بعقولهم المتقدة جسور العبور إلى أمجاد لا تنطفئ شموعها مع انطفاء شعاع الحياة ومواراة أجسادهم الثرى، ولكن يمكن على الأقل من خلال التذكير بهم التنبيه إلى ما يقع فيه البشر من أخطاء حين لا يولون اهتماما بالمرضى منهم.

فللأسف أغلب المجتمعات العربية لا تهتم في تقسيمها غير العادل بتخصيص فسحة أمل للمرضى وتربّي أجيالها على ترديد نعوت لا تليق بإنسانيتهم من قبيل “يا معاق”، إلى جانب نظراتهم المحبطة والتي تقصي من كان يعاني مرضا من دوائرها السليمة.

شعوب تُدين العنصرية وتغرق في أصولها حتى النخاع، لا مدارس مجهزة، ولا نواد مخصّصة، ولا عقلية قابلة، كل هذه الضرورات من حق كل مريض، إعطاؤه فرصة للعيش هو كل ما يرده من حياة عربية لم يختر الانتساب إليها.

وكلما زاد العالم نفورا من المرضى زاد إصرارهم على ترديد من حقي أن أعيش بينكم، لست كائنا غريبا من فضاء بعيد معدّ للتدجين في أقفاص جهلكم بل مرآة عاكسة لأفعالكم وغبائكم الذي يعتقد أن سر الكون كامن في الجسم السليم أنا علم فاض عن حدود الجسد وانتشر في اللاحدود، لا تخافوا فلست عبئا على أحد فأنا مثقل بأعبائكم.

21