من خط دوراند إلى سايكس بيكو حدود تتحول إلى بؤر إرهابية

السبت 2014/12/27
هجمات طالبان وإرهاب داعش يكشفان فشل الحرب الدولية على الإرهاب

واشنطن- يقارن تحليل لمركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية والأمنية بين الحرب ضدّ الجهاديين الدائرة على الحدود العراقية السورية ومثيلتها على الحدود الباكستانية الأفغانية، مستبعدا أن يكون هناك تشابه بين المنطقتين، رغم أن كلتاهما تعتبران مركز تجمّع هام للتنظيمات الجهادية الناشطة، وبالتالي فإن الحرب على الإرهاب لها خصوصيتها وقواعدها في كل منطقة.

في الوقت الذي تضع فيه الولايات المتحدة اللمسات الأخيرة لخطة الانسحاب العسكري من أفغانستان، شرعت واشنطن بمعية بعض الحلفاء الغربيين والشرق أوسطيين في التدخل ضد الجهادية العابرة للبلدان في العراق وسوريا، لكن بطريقة أكثر تواضعا مقارنة بالتدخل في أفغانستان.

ويثير الانسحاب العسكري الغربي من المنطقة الجنوبية الغربية من القارة الآسيوية المخاوف من أن المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، يمكن أن تلقى نفس مصير الحدود السورية العراقية، وخاصة أن كابول وإسلام أباد ستنغمسان في محاربة المتمرّدين الجهاديين في كلا البلدين.

لكن الوضعية الاستراتيجية العامة في أفغانستان وباكستان أحسن بكثير من نظيرتها في كل من سوريا والعراق، وإذا تعاونت إسلام أباد وكابول هناك آمال كبيرة في ألا تتحول مناطق البشتون على طرفي الحدود إلى شبه دولة للجهاديين مثلما هو الحال بالنسبة إلى المناطق السنية في شرق سوريا وغرب العراق.

توصل قادة الجيش الأفغاني والباكستاني إلى اتفاق في الثالث والعشرين من ديسمبر الحالي لتنفيذ هجمات منسقة ضد الجهاديين المحليين والأجانب من كل الأصناف دون أي تمييز.

وتم التوصل إلى الاتفاق في اجتماع عقد في روالبيندي بين رئيس الأركان الباكستاني الجنرال راحيل شريف ونظيره الأفغاني الجنرال شير محمد الكريمي. كما كان قائد الحلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال جون كامبل حاضرا.

وكانت هذه المرة الأولى في غضون أسبوع التي يلتقي فيها الرجال الثلاثة. وقد سافر شريف ورئيس المخابرات الباكستانية إلى كابول في اليوم الموالي لمذبحة السادس عشر من ديسمبر التي قتل فيها 132 طالبا في بيشاور في باكستان، وهي أكبر هجمة تنفّذها حركة طالبان، المحسوبة على التيار الجهادي، في تاريخ البلاد.

البلدان الأكثر تأثرا بالإرهاب
* العراق

* أفغانستان

* باكستان

* نيجيريا

* سوريا

منذ عام 2001 جرّبت الولايات المتحدة كل الاستراتيجيات الممكنة تقريبا لإقناع الجيش الباكستاني بأن يأخذ خطر التشدد على نحو أكثر جدية. وبعد 12 عاما من تقديم مساعدات بلغت قيمتها 28 مليار دولار يرى كثيرون أن المحاولات الأميركية فشلت.

في البداية كالت إدارة بوش المديح للرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف ووافقت على دعم الجيش الباكستاني ماليا ليقوم بعمليات عسكرية ضد طالبان وشنت غارات بطائرات دون طيار قتلت قادة للقاعدة ومتشددين تلاحقهم الحكومة الباكستانية.

وجاءت إدارة أوباما لتتخذ موقفا يتسم بقدر أكبر من المواجهة ونفذت من جانب واحد العملية التي قتل فيها أسامة بن لادن وزادت بقوة من المساعدات المقدمة للمؤسسات المدنية الضعيفة في باكستان وقطعت في أحيان المعونة عن جيش باكستان التي جاءت في المركز الثالث على مؤشر الإرهاب العالمي.

مع ذلك يواصل المتشددون عملياتهم وبصورة أكثر تحديا مثلما حدث في الهجوم المروّع الذي وقع في مدرسة بيشاور. وبينما يزداد تركيز الولايات المتحدة على أزمات أخرى تتضاءل بسرعة خيارات واشنطن لإحداث تغيير في باكستان.

قال كاميرون مونتر الذي عمل سفيرا لواشنطن في باكستان بين 2010 و212: “هناك تعب كبير في واشنطن اسمه باكستان… ليس فقط لأن الاثني عشر عاما الماضية كانت صعبة جدا بل لأن هناك تحديات أخرى -من سوريا إلى أوكرانيا إلى إيران وغيرها- تستدعي انتباهنا”.


من المسؤول عن العنف؟

روبرت غيتس: إقليم خط دوراند قلب تمرد حركة طالبان وتنظيم القاعدة


رغم أن الهجوم أثار إدانات واسعة فقد عبر مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون بسخرية مريرة عن رأيهم في أن إراقة الدماء هي التي ستدفع الجيش الباكستاني إلى تغيير نظرته للمتشددين.

وقال مونتر ومسؤولون آخرون إن الولايات المتحدة عاجزة عن إيقاف رواية يساندها الجيش في باكستان، تزعم أن هجمات المتشددين هي نتيجة حرب واشنطن على الإرهاب.

والدول الأجنبية هي المسؤولة حسب هذه الرواية -وليست باكستان- عن التشدد المتزايد في باكستان في حين أن إسلام أباد غير مسؤولة عن المشكلة وغير قادرة على إنهائها.

وترددت تلك الرواية فور توجه قائد الجيش الجنرال راحيل شريف إلى أفغانستان. وقال المسؤولون الباكستانيون إن لديهم معلومات تفيد بأن هجوم المدرسة دبّره متشددون يختبئون داخل أفغانستان.

وفي أفغانستان وصل عدد الضحايا المدنيين والعسكريين لهجمات طالبان إلى معدلات مرتفعة جديدة هذا العام فيما يقلص حلف شمال الأطلسي من وجوده مما يهدد استقرار وسلامة عمال الاغاثة.

وقال جون وات مدير شؤون أفغانستان في أوكسفام "من الواضح أن هناك المزيد من الأحداث وبعض الأحداث العنيفة وهناك المزيد من الجريمة وهناك المزيد من عمليات الخطف هذا العام مقارنة بالعام الماضي".

حتى قبل الهجمة بدأت إسلام أباد شيئا فشيئا في تعديل موقفها الغامض تجاه المقاتلين الإسلاميين الذين لم يكونوا يحاربون الدولة، ولم يؤد قتل التلاميذ إلا إلى زيادة الزخم الذي يدفع باتجاه تغيّر موقف باكستان.

وتجري القيادة المدنية والعسكرية في البلاد تغييرات كاسحة للطريقة التي تحارب بها التطرف الديني والإرهاب، لكن العنصر الحاسم الذي ساعد حركة التمرد هو قدرة مقاتلي طالبان من الأفغان والباكستانيين على استخدام أراضي الطرف الآخر لشن هجمات ضد بلدهم.

ومنذ تأسيس دولة ما بعد طالبان في سنة 2002، جمعت كابول وحلفاءها الغربيين علاقات مريرة مع إسلام أباد ويرجع ذلك أساسا إلى سماح باكستان لطالبان الأفغانيين باتخاذ أراضيها ملاذا لهم.

لكن خلال السنوات الخمس الأخيرة التي زادت فيها أعمال التمرد من قبل طالبان في باكستان وقامت إسلام أباد بإطلاق حملة ضد المتمردين، أصبح الباكستانيون غاضبين من الأفغان لقيامهم بمساعدة المتمردين الباكستانيين وتحريضهم.

الدولتان الأفغانية والباكستانية ليستا في مستوى ضعف الحكومتين السورية والعراقية

وبسبب تصاعد أنشطة طالبان عبر الحدود وخفض الحلف الأطلسي لقواته وتغير الحكومة في كلا العاصمتين، أدركت باكستان أنها لا تستطيع هزم الجهادية داخل أراضيها إذا ما تواصل التمرد الأصلي داخل أفغانستان.

لهذا السبب تعهدت باكستان وأفغانستان بالتعاون خلال زيارة الرئيس أشرف غاني لباكستان، في منتصف شهر نوفمبر الماضي، وللسبب نفسه اتفق جيشا البلدين على تنفيذ عمليات عسكرية منسقة على جانبي الحدود.


هل تكفي العمليات العسكرية وحدها؟


بالرغم من المشاكل التي يعاني منها كل طرف على حدة، ليست الدولتان الأفغانية والباكستانية في مستوى ضعف الحكومتين السورية والعراقية اللتين لم تعودا حتى كيانات سياسية متماسكة ولا يتفق مواطنوهما على هوية وطنية واحدة. لكن يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد عمليات عسكرية على “خط دوراند” لتفادي الفوضى التي انتشرت على حدود سايكس بيكو بين سوريا والعراق.

الحدود الأفغانية الباكستانية لن تكون كمثيلتها العراقية السورية

ويعدّ “خط دوراند” من بين أكثر المواقع خطورة في العالم، وهو الحدود الفاصلة بين أفغانستان وباكستان ويمتد على مسافة 2640 كيلومترا تغلب عليها المناطق الجبلية الوعرة. وعند الخطّ تحارب الولايات المتحدة وحلفاؤها حركة طالبان، بشقيها الأفغاني والباكستاني.

وقد وصف وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس الإقليم الحدودي الشمالي الغربي والحزام القبلي على طول حدود باكستان مع أفغانستان بأنّه “قلب إرهاب طالبان والقاعدة”، ولا يمكن “كسب الحرب على الإرهاب عندما تترك هذه الحدود للمتمردين”.

باكستان لا تستطيع معالجة مسألة المتمردين بمفردها، وبالمثل أفغانستان، فهذه المناطق الجبلية الصعبة لم تفلح أي قوة عسكرية في السيطرة عليها أو احتلالها أبدا. والغارات الجوية تعمل فقط على إبعاد الجماهير عنه.

بناء على ذلك يجب على كل من كابول وإسلام أباد تسليم زعماء حركة التمرد المطلوبين لدى الطرف الآخر. لكن أهم جانب لأي تعاون ثنائي بين البلدين يتمثل في أن تحث باكستان طالبان الأفغان على وجوب التفاوض مع كابول فهذا التنظيم لديه اتجاه جهادي وطني، على عكس حركة طالبان باكستان التي تتقاسم نظرة جهادية عابرة للدول مع القاعدة والدولة الإسلامية.

ويبقى من غير الواضح مدى قدرة الباكستانيين على ممارسة ضغوط مباشرة على طالبان الأفغان للسعي إلى إنهاء حركة التمرد، لكن عبر بذل جهود حثيثة لمنع مقاتلي طالبان الأفغان من اتخاذ الأراضي الباكستانية ملاذا لهم، يمكن للباكستانيين دفعهم إلى تلك الوجهة بشكل غير مباشر.

وحتى تتمكن إسلام أباد من محاربة المقاتلين الجهاديين في أراضي البشتون العابرة للحدود تحتاج كابول إلى قوة حتى لا تتحول المنطقة إلى أرض معركة واسعة كتلك التي ظهرت في سوريا والعراق.
7