من دخل دار النهضة ليس آمنا

الأوزار المترتبة عن التحالف مع النهضة لا تعود فقط إلى السرعة التي تعقد بها التحالفات، ولا إلى افتقادها للبرامج السياسية والاقتصادية، بل تعود أيضا إلى الذهنية التي تعقد بها النهضة تحالفاتها.
الأربعاء 2018/09/05
ذهنية براغماتية نفعية قصيرة المدى

كل التحالفات التي عقدتها حركة النهضة منذ الثورة، عادت بالوبال على الأطراف المتحالفة معها، وألقت بالأطراف والأحزاب والشخصيات إلى غياهب النسيان السياسي. وإذا استبعدنا منهجيا التحالفات التي عقدتها حركة النهضة قبل الثورة، والتي كانت محكومة بالسياقات السياسية والأمنية التي جرت خلالها، فإن استعراض سجل تحالفات النهضة السياسية والانتخابية والحزبية كاف لتبين أنها أصابت المتحالفين في مقتل.

ليس الأمر من قبيل اللعنة التي لا تستقيم في القراءات السياسية ولا يمثل حتمية ولا مصادفة، ولكنه أمر جدير بالقراءة والاستعراض لتبين الدواعي الحاثة على التحالف (لدى الطرفين النهضة والساعين إليها في كل منعرج سياسي) ولاستجلاء أسباب التردي الذي يصيب كل من يدخل بيت النهضة متصورا أنه آمن.

منذ العام 2011، وقبل الشروع في انتخابات 23 أكتوبر استمالت النهضة أحزاب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، بزعامة مصطفى بن جعفر، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة المنصف المرزوقي. تكونت على أساس ذلك التحالف المتسرع ترويكا حاكمة لاقت ما لاقته من نقد ومعارضة ناتجين عن فشل ذريع في كل المستويات، لكن الأهم كان في التردي الذي عرفه التكتل والمؤتمر كما في تراجع صورة بن جعفر والمرزوقي. كان الأول يتوفر على رصيد نقي شيده طيلة عقود من النضال السياسي والحقوقي، وأتقن الثاني القادم من المدرسة الحقوقية تبديد رصيده بهرولته نحو المناصب السياسية.

بعد تجربة الترويكا التي أودت بمصطفى بن جعفر وحزبه، وأصابت المرزوقي وحزبه بتصدع كبير، تمثل سياسيا في انقسام حزبه إلى كيانين، وجماهيريا في تراجع صورته إلى الحضيض لدى عموم التونسيين، جاء الدور على رؤساء الحكومات الذين راهنت عليهم النهضة؛ المهدي جمعة ثم الحبيب الصيد وأخيرا يوسف الشاهد.

كان كافيا أن تدعم النهضة شخصية سياسية أو تزكّيها لتصعد بسرعة إلى سدة الحكم، لكن ذلك الرهان سرعان ما ينتهي ليخرجَ المراهن عليه من الباب الصغير، وهو ما يفرض بحث الدواعي التي تحفز الشخصيات والأحزاب على التحالف مع النهضة رغم الاختلاف الجذري معها في غالب الأحيان.

جدير بالملاحظة أن الخروج من الباب الصغير لم يقتصر على الشخصيات من خارج المدار النهضوي بل انسحبت كذلك على شخصيات نهضوية من قبيل حمادي الجبالي الذي ترأس الحكومة التونسية من ديسمبر 2011 إلى مارس 2013، إبان حكومة الترويكا الأولى، كما انسحبت أيضا على الشخصيات التي اقتربت من الفضاء السياسي النهضوي مثل أحمد نجيب الشابي وغيره.

المسألة لا تعود إلى قوة حركة النهضة أو إلى سطوتها التي قد توحي بأن من تتخلى عنه الحركة سيكون مآله النسيان والأفول، وإنما تعود إلى أن التحالف ذاته مثلما يبنى على باطل سياسي فإنه سينتهي إلى باطل نتائجي، إضافة إلى أن كل التحالفات التي عقدت بعد الثورة لم تبنَ على أساس برامج سياسية واقتصادية إستراتيجية تتقصد تحسين أوضاع البلاد، بل كانت تبتغي تحقيق نتائج انتخابية سريعة تنتهي بانتفاء أسباب وجودها أو بتغير السياقات الداعية إليها، أو حين تجد النهضة نفسها محتاجة إلى وجوه جديدة.

قد يحاجج البعض بمثال الرئيس الباجي قائد السبسي ويعتبر أنه دليل على عدم صحة الفرضية السابقة. لكن تحالف السبسي مع النهضة خاصة إثر انتخابات العام 2014، الذي يسوق داخليا وخارجيا على أنه قرينة لنجاح المثال التوافقي التونسي، يتوفر على ميزتين أساسيتين: الأولى أن الباجي اختار أن يخوض التحالف انطلاقا من حزبه، نداء تونس، وكانت النهضة تراهن على التحالف انطلاقا من شخصية الباجي، وهذا التباين في النظر إلى الطرف المتحالف، جنبت الباجي التعرض إلى التصدعات المترتبة عنه، وحولت التصدعات إلى الحزب ذاته، فانقسم إلى شقوق وأجنحة بالنظر إلى أن قسما كبيرا من الندائيين كانوا في الأصل ضد التحالف مع النهضة.

الميزة الثانية تتمثل في أن الباجي قائد السبسي كان يجيد رسم المسافات مع النهضة كلما احتاج لذلك، إذ يطلق تصريحات ناقدة للنهضة مشككة في تحولها إلى حزب مدني وفي تخلصها من إرثها الأيديولوجي القديم. وكانت المسافة التي يتخذها الباجي من النهضة أحيانا، وبقدر ما تضعه في سهام النقد النهضوي إلا أنها تجنبه تحمل نتائج التحالف معها إلى حين.

الأوزار المترتبة عن التحالف مع النهضة لا تعود فقط إلى السرعة التي تعقد بها التحالفات والرهانات، ولا فقط إلى افتقادها للبرامج السياسية والاقتصادية الإستراتيجية، بل تعود أيضا إلى الذهنية التي تعقد بها النهضة تحالفاتها.

الذهنية الحاكمة لتحالفات النهضة هي ذهنية براغماتية نفعية قصيرة المدى، وهذا معتاد في السياسة، إذ لا وجود لـ”عدو دائم أو صديق دائم بل هناك مصالح دائمة”، ولكن النهضة تخوض تحالفاتها بمنطقين متوازيين، المنطق الأول هو منطق الحزب الذي يبحث عن الوصول إلى السلطة وتحسين مواقعه في العملية السياسية، والمنطق الثاني هو المنطق الجماعاتي الذي يطل من شرفة الأدبيات الفكرية على الممارسة السياسية للحركة ويراقبها ويقيدها.

تمارس النهضة السياسة بدروس الأيديولوجيا، ولذلك فإن تقييم التحالفات والشراكات لا يتم وفق الحسابات السياسية المعروفة بل يحصل في الغرف المغلقة فكريا (مجلس الشورى مثالا). وهو ازدواج نراه في “التباين” المزعوم بين تصريحات القيادات وصخب القواعد: القيادات تشيد بالمثال التونسي الفريد في التوافق، والقواعد تعتبر الباجي والنداء نسخا من النظام القديم.

كانت محطة 18 أكتوبر 2005 تجربة مبكرة في التحالف مع حركة النهضة، وقد لاقت ما لاقته من نقد وتقييم واختلافات، وتوالت بعدها تجارب التحالفات، والواضح اليوم أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد وبعد أن احتمى بخيمة النهضة أصبح خارج حسابات الحركة التي طالما دافعت عنه وعن بقائه على رأس الحكومة بعد أن تخلى عنه حزبه. من دخل دار النهضة غير آمن، وهو ما يعني أيضا أن ضوء النهضة الذي يعني السلطة عند الكثير من الشخصيات السياسية يحرق كل من اقترب منه.

9