من دفتر عتيق

السبت 2013/12/14

وهذه محطوطةٌ مبروكةٌ جميلةٌ، حطّت ببطن بريدي مثل مطرة عاطرة فوق أرض عطشانة، بعيثة لذيذة من صورٍ جلّها مستلّ من زمان الأبيض والأسود، تستجلب الراحة للعين وللقلب وللحشى، وتثلمُ من رصيف الوحشة والحنين، صوب بلادٍ مدهشةٍ، جنتْ علينا وما كنّا جنينا على أحدٍ. زبدة الصور ونعمتها، كانت عن مقاهي كرخ بغداد العباسية، خاصة تلك المزروعة على شطِّ دجلتها الخير، بمنطقة العطيفية وما حولها.

جلسنا بمقهى البيروتي، وكان ثمة أستاذ رياضيات اسمه حاتم من سكنة المنطقة، يتمم علينا نعمته ويمنحنا ما تيسّر من دروس مجّانية، في باب ثمانينات القرن الفائت، كنتُ استاجرتُ الدكان الصغير الطالع من بناء جامع المدلّل، لصقَ أسواق الجندول الذي هو قلب الحارة، وكان يملكه شخصٌ ظريفٌ اسمه أحمد ويسميه الناس الضحّاكة، أحمد ريكا بطل أميركا، ربما تندرا بعرجه المشعّ.

عملتُ من الدكان مطعما علامتهُ الفلافل والعمبة والبيض وشراب الأناناس، وكان من أشهر زبائني، عمار وسرمد وإياد بن صادق وطه ومحمد وياسين وياسر السمين، والزبون الذي ما من زبونيته مهرب، سعد عجيمي سائق الشاحنة الكبيرة، ومنتج نصف دفتر الشتائم البغدادية المبهجة.

لكن إيجاره الرخيص، وغرام الناس وقتها بهكذا أكلة خفيفة لطيفة، جعل ربحهُ وافيا كافيا لواحدٍ ما زال على مقعد دراسة. كان قبالتي تماما، مطعم حمّادي الأعور أبو التكّة والكباب والمعلاق، وحمادي المسكين، لم يكن مرتاحا من انزراعي قبالته في مفتتح الأمر، لأن عطر الفلافل وطعم العمبة الأصلية، كان قضى على ربع زبائنه، الذين هاجروا صوب دكاني الحميم، فانولدت في المحلة، ثنائية جديدة عنوانها الرحيم "توم وجيري" لكنّ المنظر تطبّع بمرور الشهور، فصرتُ أتعشّى كبابا لذيذا من تحت يمين حمادي، وصار هو يتشهّى فلافلي وعمبتي والبيض المسلوق، وعطر كأس الأناناس، وكانت فاتورة الحساب، تُسوّى بطريقة المقايضة والتخادم والمحبة. ألله عليك بغداد العباسية، لماذا ضيّعكِ الغزاة الأوغاد؟!

24