من دفتر يوميات السجن طاحونة السأم اليومي

الأحد 2014/11/02
رغباتك وحاجاتك هي سجينة جسدك المسجون

يا الله كم تتشابه الأيام، هنا، وفي هذا المكان الذي تغدو فيه تجربة السجن تجربة مركبة ومتداخلة من حيث الدلالات والأبعاد النفسية والمادية، أو جدل الذات مع ذاتها، وجدلها مع العالم الذي تضيق به، ويضيق بها. أنت هنا سجين هذا المكان، وفي الآن نفسه فإن رغباتك وحاجاتك هي سجينة جسدك المسجون، وكذلك فكرة الحرية التي سجنوها في داخلك ومعك وإلى جوارك، كانت حبيسة هذه الجدران المنيعة لوطن تكبر وتصغر مساحة سجنه بين الهنا والهناك.

كل هذا كان يجعل حياتنا تدور في حلقة مفرغة، من السأم والمرارة والقهر والعذاب اليومي، لا يكسر إيقاعها سوى حدث مفاجئ ومؤثر يمكن أن يحدث، الأمر الذي جعل النتائج النفسية لسنوات الاعتقال الطويلة، تترك أثرها الواضح على سلوك السجناء وحياتهم، وعلاقاتهم حتى ضمن الجماعة السياسية الواحدة، أو حتى المجموعة الواحدة من الأصدقاء، حيث يظهر التشظي والخلافات الواسعة واضحين بين أغلبية السجناء، خاصة وأن النظام كدَّس في سجونه مئات المعتقلين، كان الكثير منهم من خارج التنظيمات الفعلية، باعتبارهم أصدقاء أو مناصرين، أو متكتمين لم يقوموا بإفشاء خبر أشخاص يعرفون أنهم ينتمون إلى المعارضة للأجهزة الأمنية، والغريب أن عقابهم لم يكن أقل من عقاب السجناء المنظمين، لأن النظام كان يعتبرهم مشاريع معارضة، كانت تنقصهم الشجاعة الكافية للانتماء إلى تلك الأحزاب والقوى المعارضة له.

كان الوقت مساء والجميع داخل مهاجعهم، فجأة بدأ الطرق العنيف على أبواب أحد المهاجع القريبة من مهجعنا، مترافقا مع نداءات جماعية ملحة تطلب من حارس الجناح المناوب الإسراع في إحضار الإسعاف، لأن هناك حالة طارئة، وهي حالة اعتاد عليها السجناء، عندما يصاب سجين ما بمرض شديد، يحتاج معه إلى الإسعاف السريع، فأدركنا أن هناك حادثا خطيرا قد وقع، خاصة وأن العديد من السجناء بيننا كانوا يعانون من أمراض القلب أو الصرع.

بسرعة البرق انتشر الخبر عبر الفتحات السفلية للمهاجع التي كان السجناء يتواصلون مع بعضهم البعض عن طريقها أن السجين القديم، ومريض القلب الذي اعتدنا على رؤيته في المهجع التاسع ممددا على فراشه بصورة دائمة بجانب شبك المهجع، أثناء فترات التنفس التي كان يسمح بها لكل مهجع على حدة داخل الجناح، قد دخل في حالة احتضار مفاجئة. وصل الطبيب متأخرا، ليجده قد فارق الحياة.

سنوات الاعتقال الطويلة تترك أثرها الواضح على سلوك السجناء

فور انتشار الخبر بين المهاجع سيطرت حالة من الرعب والشعور بالاختناق بين السجناء اللبنانيين في المهجع الرابع إذ لم يكونوا معتادين على رؤية هكذا مشهد، ما أدى إلى سقوط أحدهم مغمى عليه بعد سماعه الخبر، وعلى الإثر ساد شعور بالهلع بين بقية زملائه من السجناء، فبدأ الطرق العنيف على الأبواب الحديدية من قبل بعضهم، وسرعان ما شاركهم فيه سجناء المهاجع الأخرى، الأمر الذي استدعى تدخلا سريعا من قبل حراس السجن الذين هرعوا مذعورين، وعلى الفور بدأوا بفتح أبواب المهاجع العشرة على السجناء، وإخراجهم إلى الممر، بعد أن أغلقوا الباب الحديدي الخارجي للجناح، عندما شاهدوا حالات الاضطراب النفسي والإغماء عند بعض السجناء.

كان العديد من السجناء في حالة بكاء شديد وإحباط ووجوم بعد أن أخرجوا جثة السجين المتوفى، وذهبوا بها إلى مشفى التل العسكري. صار كل واحد منهم يتخيل نهايته المأساوية، التي يبدو أن النظام قد اختارها لهم (سجناء إلى الأبد) مقابل شعاره المعروف (الأسد إلى الأبد). بعد ذلك تكررت حالات الموت، لكن السجناء اعتادوا عليها مع مرور الزمن، الذي أخذ يتراكم سنوات فوق سنوات، دون أن يحدث شيء يبدل هذا الوضع المأزوم والخانق، لسجناء باتت أيام حياتهم تتماثل إلى درجة الفزع.

في سجن المزه، كما هو الحال في سجون النظام الأخرى، أخذت الأمراض تزداد بين السجناء، وكان نصيبي في البداية التهاب حاد في القولون. قال لي طبيب السجن كأنه يبرئ ذمته -وكان واضحا تعاطفه غير المباشر مع السجناء، من خلال كرمه في تقديم المسكنات لهم، الأمر الذي جعل مدة بقائه في السجن قصيرة جدا- قال لي: “لا علاج لحالتك لأن العلاج يكمن أولا في تناول الغذاء المختلف عن الطعام، الذي يقدَّم لكم في السجن، ولذلك فإن ما سأكتبه لك من دواء لن يتعدى المسكنات”.

مع طول مدة السجن ظهرت أعراض فقر الدم الشديد، والهبوط الحاد في ضغط الدم، حتى إن طبيب السجن بعد أن توفرت أجهزة قياس الضغط في سجن صيدنايا، وقام بقياس ضغطي استغرب كيف أنني ما أزال قادرا على الحركة، مع مستوى الهبوط الشديد لضغط الدم عندي. مع الأيام أصبح سقوطي عندما أحاول الوقوف أمرا معتادا، ورغم ذلك لم أتوقف عن الحركة، ورياضة المشي الطويلة يوميا أثناء ساعات التنفس الصباحية وفي المساء.


كاتب من سوريا

11