من دم الطائفة إلى الوطن الأخضر: نحتاج إلى مجتمع المعرفة

السبت 2016/06/04

يمكن تفهم مجتمع عربي لا يزال يعيش حالة محافظة، ثقافيا واجتماعيا، فهذا أمر مرتبط بزمان بعيد في التاريخ وتراكمات تتطلب وقتا لنقدها وإعادة ترتيبها. لكن، وبمزاج آخر، لا يمكن تفهم بطء النمو العربي الملاحظ في مجال المعرفة والناجم عن غياب ثقافة التفكير في تجديد آليات الاقتصاد والسياسة في ارتباطهما بطبيعة الإنتاج الجديدة، إنتاج المعرفة وتسويقها وجعلها رأس مال حقيقي في التنمية والتطوير.

جاء في تقرير المعرفة العربي لسنة 2014 بعنوان “الشباب وتوطين المعرفة” الصادر عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن الدول العربية تشهد في هذه السنوات طفرة قوية للشباب كشريحة عمرية في المجتمع، الأمر الذي له متطلبات جمة لا تخص الاقتصاد والسياسة فقط بل أوجه الحياة برمتها. والملاحظ من خلال التقرير أن عددا من الأنظمة العربية لم يع بعد أن التجدد الديموغرافي لصالح الشباب في كامل الوطن العربي، ليس أمرا مجانيا بل هو حالة لها كلفتها، وليس القصد في هذا السياق خلق نوع من المبالغة المخيفة بقدر ما هو تحفيز على رؤية الأشياء بعين الفاحص للحقيقة: العالم يتغير بسرعة في حين أن الواقع العربي لا يملك أن يؤثر في سير هذا العالم بملء وزنه.

تدخل الاقتصادات العابرة للقطرية الضخمة اليوم مرحلة ما بعد العولمة، أي أنها تبحث عن إعادة صياغة لنفسها بشكل حثيث تحت وقع النفاد التدريجي للطاقة التقليدية المتمثلة في النفط والغاز والفحم، والتوجه إلى الطاقات البديلة والأنماط الخضراء في الإنتاج. بل أصبح الحديث عن الأيديولوجية البيئية اليوم مسألة مطروحة بجدية لدى دوائر التفكير والقرار الاقتصادي والسياسي العالمية.

هذا التحول، الذي يذكّر الجميع بفترة تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية وتشكل التكتلات الإقليمية الكبرى، يعد الخطوة السريعة الثانية، بعد خطوة تقديمه للجماهير العالمية عبر مقولة “مجتمع المعرفة” المرتكزة إلى فلسفة انخراط الجميع في الترابط العالمي والإنترنت والتقنية وإبداع الأفكار والتصميمات. وقد صادف أن ظهر هذا المفهوم الجديد مع الجيل الذي يعيش الآن الأزمات بشكل مباشر، أي جيل الشباب. فربما كان شباب أوروبا أو كندا أو أميركا أو دول متقدمة أخرى بمنأى نسبي عن الانحرافات المنجرة عن البطالة مثل تلك التي تحدث في الوطن العربي، وهذا في ذاته يمثل علامة تخلف لدينا، إلا أن الوعي بالانخراط في مسار التاريخ العالمي اليوم أصبح ضرورة حتى لا نعيد إنتاج تخلفنا مرة أخرى بعد أن كان الفضاء العربي مساحة لتمارس عليه القوى الأجنبية غريزة الاستعمار.

يقول بعض الباحثين إن الربيع العربي كان نتيجة الارتباك التاريخي العربي في عدم الانخراط الجاد في سيرورة العالم وتطوره، فكان أن ثار الشباب أساسا احتجاجا على غبن متأت من إحساس بالتخلف مقارنة مع الآخرين، أي مع الغرب. ولا يمكن أن يناقش حق النهوض بالنفس وفرض آليات جديدة للتنمية والتطوير عبر استثمار المعرفة التي يزخر بها جيل الشباب العربي اليوم، بل إن اللوم يقع في هذا الإطار على الحكومات والأنظمة التي تلت تلك الثورات ولم تفهم بعد أن المناويل التنموية التي تعتمدها لا يمكن لها أن تجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل، ولا يمكن للمخططات الموضوعة أن تحتوي هواجس الجيل الجديد.

لقد نهشت الحروب والطائفية والاستسلام للخرافة والانتقام والفوضى أحلام الإنسان العربي التاريخية في القفز إلى التاريخ وقيادته مرة أخرى. ففي الحين الذي يتحدث فيه البعض عن أقمار صناعية ترصد تركز الغازات المضرة بطبقة الأوزون، تطالعنا أخبار عن طرد عمال نظافة مدينة طوز خورماتو الأكراد من منطقة نفوذ التركمان الشيعة لأن الأكراد غير مرحب بهم في شطر المدينة الشيعي. وقس على ذلك الآلاف من الأمثلة الأخرى التي من بينها ما أودى بحياة 220 ألف إنسان في الحرب السورية.

التعليم العصري والتمكين التكنولوجي ورقمنة المداخل الإدارية والاقتصادية والتشجيع على الاستثمار ذي القيمة المضافة العالية وتبني نظرة إيجابية للبيئة وغيرها، تعد من القيم الجديدة التي يستعد العالم لتبنيها كاملة ودون رجعة. وهذا ما يفرضه منطق العصر والتطور وحتى منطق القوة أيضا، الشيء الذي يجب أن يستنطق في العقل السياسي العربي اليوم ملكات الخيال والتصور والجرأة على ترك القديم واقتحام كل ما هو جديد في فنون الحكم والإدارة والتواصل، وإلا فالتصدع الحاصل في الشخصية العربية سوف يؤدي إلى تفتتها واضمحلالـها داخل تفـاصيل التاريخ.

صحافي من تونس

6