من دولة خارجية إلى دولة بلا داخل

الخميس 2014/01/30

اعتبرت سوريا دولة إقليمية بامتياز، فقد كانت لديها سيطرة على لبنان وهيمنة على القرار الفلسطيني لاسيما شقه الغزاوي، وهيبة في الأردن، ودور فاعل في العراق عبر إيران أو عبر المعارضة ضد النظام العراقي، وعقدت صلات قوية مع تركيا بعد طردها من لبنان وبقصد إجراء محادثات جديدة للسلام مع إسرائيل وتخفيف الضغط عليها وإعادة بدء علاقات دافئة مع أميركا، وقوّت صلاتها مع قطر المختلفة مع السعودية، وحتى علاقتها مع السعودية أعيدت في قمة الكويت، ولاحقاً تم الاتفاق على تشكيل حكومة في لبنان، وزار الملك عبد الله سوريا كدلالة على عودة المياه قوية بينهما بعد حرب تموز، وتقسيم الدول العربية بين محور ممانعة ومحور اعتدال و”نصف رجال”.. إذن هي كانت رافعة في محور إقليمي عربي قوي وكذلك إقليمي، وطبعاً كانت علاقاتها الخارجية تلك كلّها بقصد تثبيت النظام وسياساته في النهب، وضبط المجتمع وإبقائه بلا صراعات وبلا تمثيل سياسي وبلا حقوق، وفاقد لأيّة قدرة على التطور.

التطور الوحيد الذي حدث، وبعد مرحلة تثبيت السلطة في السبعينات، وإنهاء كل استقلالية للنقابات وللسياسة والمجتمع في الثمانينات، هو البدء بالسياسات الليبرالية الجديدة كسياسة عامة للدولة مع مجيء بشار الأسد، وكانت بسبب تعاظم فئات ناهبة وقريبة من السلطة وتريد الاندماج بالعالم، والاستفادة منه في إطار التجارة الخارجية؛ وبالتالي بدأ النظام يغيّر من نفسه من أجل هذه الفئات الناهبة بالتحديد. وهذا المفصل، رغم أنّه أراد تعميق البعد الخارجي للنظام، إلا أنّه أدخل المجتمع بأكمله في أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، ودفعه إلى الثورة.

هذا ما أوجد واقعاً جديداً، اسمه التدخل الخارجي الكثيف، فأصبحت سوريا تنغلق على نفسها بدلاً من الانفتاح على الآخرين؛ ورفض النظام نصائح تركيا وقطر وإيران بضرورة التعامل السلمي مع المظاهرات وتقديم الحلول. وبانقضاء أشهر قليلة قُطعت العلاقات نهائياً مع تركيا وقطر، وصارت هاتان الدولتان بالتحديد مركزاً للمعارضة المباشرة ضده، ولاسيما تركيا، ولحقتهما السعودية وبدأت تعمق نفوذها ضده، ووقفت الأردن على الحياد، ولم يكن لمصر أي دور يلحظ، ووقف لبنان الرسمي على الحياد ولبنان السياسي اصطف في المعركة؛ فحزب الله يخضع للموقف الإيراني فتحرك مع إيران ليشكلا حلفاً واقعياً ضد الشعب، ودخلت روسيا والصين في الحلف ذاته، وتحدّدت المواقع.

لكن سوريا- ورغم حلفها هذا- أصبحت بنظام ضعيف يتلقى الأوامر والمساعدات المالية والسلاح بشكل كبير (ولاحقاً احتاج للمقاتلين، فدخل حزب الله بجيشه مع بقية الفصائل الطائفية)، بل وتُحَدّد له السياسات، واقتصرت فاعليته في مواجهة الداخل والبطش بالمجتمع بشكل لا سابق له. ضمن هذا الشرط أصبح النظام بلا أي عمق إقليمي أو عربي أو دولي، بل محط هيمنة وانتداب خارجيين.

هذا الأمر لم يخالفه المجلس الوطني ولا الائتلاف لاحقاً، بل فعلا الشيء نفسه؛ فلم ينتهجا خطاً وطنياً مميزاً، وعمّقا صلاتهما بتركيا وقطر وفرنسا وأميركا، وهكذا أصبحت المعارضة رهينة لتلك الدول، فكان شعارها التاريخي التدخل العسكري وقبله الحظر الجوي والحماية الدولية، ولم تقدر قيمة وقوة الثورة الشعبية وقدرتها على إسقاط النظام بنفسها؛ وبتبنيها لما أشرنا إليه، وتسويغها للإخوان المسلمين خدمت النظام بنفسها؛ الذي قال عن الثورة أنها إرهابية وسلفية، وعمل كل ما في قدرته على دفعها نحو العسكرة والطائفية والتبعية للخارج، لينهيها كثورة شعبية ضده. وأما هيئة التنسيق فقد ربطت وجودها نهائياً بالموقف الروسي ومنذ تشكلها.

إذن المعارضة والنظام دفعا سوريا لتكون بلا عمق داخلي، وتحول الداخل السوري ليخضع للخارج الإقليمي والعالمي بالتدريج. وفيما يخص الثورة، كانت كلما قويت عسكرتها قويت حاجتها للمال والسلاح، وكان يتزامن مع ذلك انتهاء المظاهرات ويشتد التدمير الممنهج للنظام والتهجير واللجوء، حتى وصلنا إلى بداية 2013، فصفيت تقريباً المظاهرات، وأصبحت الحرب بين الكتائب والنظام هي الفعل الواقعي، وظهرت لدينا تنظيمات جهادية قامت بتشكيل سلطتها الظلامية ومحاكمها الشرعية، وهذه أنهت دور الشعب كلية، ولم تسمح أصلاً باستخدام كلمة ثورة، والأخيرة لا تعنيها. الكتائب هذه تتبع لتنظيم القاعدة، وسوريا مجرد “خرابة” كبيرة، تصلح لإمارة إسلامية جديدة، ويمكن فيها ممارسة الجهاد ضد الكفار، والكفار كُثُرٌ.. ويبدؤون من الشعب والنظام معاً. بقية الكتائب تحتاج السلاح وكذلك كتائب الجيش الحر؛ وبالتالي تشكل لدينا واقع جديد، اسمه تبعية المجلس ولاحقاً الائتلاف ولاحقا الجيش الحر وبقية الكتائب للخارج الإقليمي والدولي، وبقيت فقط فئات الشعب وكتائب وطنية، وهي قليلة، غير مرتهنة، ولكن لا وزن سياسيا لها؛ وبذلك صارت سوريا مقسمة بين نظام لا يرتدع عن استقدام كل قوّة خارجية لينهي بها حركة الثورة والشعب ضده، وكتائب لا ترتدع بدورها عن تلقي المساعدات للاستمرار بحربها ضده.

الحرب الطويلة أنهت قوة النظام الصلبة، وصارت إيران وحزب الله، ومليشيات الدفاع الوطني “الشبيحة” يتحكمون في سير المعارك. والجيش الحر والفصائل المحلية والوطنية تهمشت كثيراً، وظهرت بديلاً عنها كتائب متأسلمة، تحددت مؤخراً بداعش والنصرة والجبهة الإسلامية، وهذه تخضع في تحركاتها إما للنظام، وإيران تحديداً، وإما لدول إقليمية أخرى. عدا عن استمرار طرفي المعارضة الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق بالتبعية وبالتالي أصبحت الحرب تدار بالكامل من الخارج، وأصبح للخارج الإقليمي والدولي دور مقرر في يومياتها؛ ولذلك يشعر معظم السوريين بأنها لم تعد ثورتهم، وهي معركة الآخرين على أراضيهم. ولكن الحقيقة تقول أنها ثورة شعبية ولا تزال كذلك، وحرب إقليمية أيضاً وحرب دولية بالوكالة أيضاً، عدا عن كونها حرب القاعدة، إضافة إلى دور كردي قد يصبح حرباً.

هذه الحروب المتعددة، تتم مناقشتها عبر جنيف2، ويراد وضع حدّ لها وفق المعلن، وقد أصبحت خطراً حقيقياً على الإقليم والعالم؛ وبالتالي ووفق جنيف، سيتم تشكيل حكومة خاضعة “للانتداب” الروسي وتحقق مصالح الدول الإقليمية والعالمية، وبالتالي أصبحت سوريا بحق، دولة بلا داخل، ومنتدب عليها، باسم جنيف ولصالح الروس.

وفي حال لم يتحقق أيّ حلٍ في جنيف، فإنّ الخطوة التالية قد تكون إعادة ملف سوريا، إلى مجلس الأمن، وحينها، قد يُتخذ قرار للحل وفق البند السابع، وسيكون بموافقة روسية، وستكون سوريا فعلاً تحت الانتداب، في كل ما يخص مستقبلها.


كاتب سوري

8