من ستارغيت إلى "أبو الأريل": كيف تبدد العلوم الزائفة الأموال والأرواح

تشتمل العلوم الزائفة على العديد من القواسم المشتركة لعل أهمها العمل على تغييب الحس النقدي، الذي يساعد البشر على كشف زيفها. وهذا ما أتاح أمام العلوم الزائفة فرصة إيقاع الناس في شرك إهدار الأموال والطاقات وهمّش العقول التي باتت غير قادرة على التمييز بين العلم والعلوم الزائفة والحدود بينهما.
الاثنين 2016/10/24
عدم فعالية العلوم الزائفة

سقط العديد من الدول والأشخاص في التسليم بأن بعض النظريات أو الأجهزة من العلوم الصحيحة يمكن التعويل عليها وعلى قدراتها، لذلك بذلوا في سبيل الحصول عليها الأموال والطاقات، ليتبين لهم في ما بعد أنهم وقعوا ضحايا العلوم الزائفة، من ذلك ما حصل في سبعينات القرن الماضي إبّان الحرب الباردة، حيث أنفقت الولايات المتحدة الأميركية أموالا طائلة على ما يعتبر اليوم “فضيحة” مشروع ستارغيت.

ويقوم المشروع على فكرة استثمار قوى التخاطر التي تعني القدرة على اكتساب معلومات عن أيّ كائن واع آخر وقد تكون هذه المعلومات أفكارا أو مشاعر، والرؤية عن بعد في مجال التجسس وجمع المعلومات الاستخبارية.

انطلق المشروع في الولايات المتحدة بتأثير من سباق التسلح الأميركي-السوفييتي الذي كان في أوجه وقتها وبعد ما يقرب من عقدين على انطلاق المشروع الذي ابتدأ سرياً وتسرب للعلن لاحقاً، وأفاد تقرير من مؤسسة الاستخبارات المركزية عام 1995 بأن المشروع لم يكن عمليا ولم يقدم أيّ معلومات استخبارية مفيدة، وهو ما أدى إلى قطع التمويل عنه وإغلاقه، على الرغم من شيوع بعض نظريات المؤامرة التي تدعي استمراره إلى يومنا هذا.

وقد جاء في مضمون التقرير الذي أعدته لجنة تخصصية من أكاديميين، أن فكرة التخاطر والتواصل عن بعد باستخدام قوى خارقة لا تصلح لتقديم معلومات موثوقة، وأن ما تقدمه عادة يتسم بالغموض وعدم الوضوح.

ويُعتبر التخاطر واحدا من أكثر أشكال العلوم الزائفة شيوعا، وكثيرا ما يعتمد عليه المؤمنون في جدالهم عبر التركيز على بعض الحالات الإيجابية، بينما تُهمل أو تُهمش الحالات السلبية الكثيرة التي يفشل المُتخاطرون فيها.

وهم بذلك يستغلون التحيز الإيجابي للتفكير البشري، والذي يعني ببساطة تسليط الضوء على الحالات التي تدعم صحة الفرضية والتغاضي عن كل ما يُشكك أو يقدح فيها.

جهاز أبو الأريل مثال صارخ على عدم فعالية العلوم الزائفة وتبديدها للأرواح والأموال، يدعى أن له القدرة على كشف المتفجرات

وليس التخاطر وحده من يعتمد على التحيز الإيجابي أو غيره من نقاط ضعف التفكير البشري، فأشكال العلوم الزائفة كثيرة ولا حصر لها أو لمجالاتها، فالطب البديل، وطاقة المكان والأشكال، وأفكار الإعجاز العلمي وما شابهها كلها تدعي وصلا بالعلم والعلم يصنفها على أنها زيف ودجل.

الحدود بين العلم والعلم الزائف

يعود أول استخدام لتسمية العلوم الزائفة إلى عام 1796 حيث أطلقت على الخيمياء، بحسب موسوعة ستانفورد الفلسفية.

والخيمياء التي تُعتبر السلف الشرعي للكيمياء الحديثة، تخلط ما بين مبادئ العِلم التجريبي والسحر والشعوذة وتدّعي القدرة على صنع المعجزات.

ومن أمثلة الخيمياء والتخاطر أنه بالإمكان تلمّس بعض المميزات التي تتصف بها العلوم الزائفة والارتكاز على بعض القواعد العلمية-الركيكة في بعض الأحيان لإيهام الناس بأن الأمر علم صرف يقوم على أُسس رصينة مع الحرص على إحاطة منهجية العمل بهالة من الغموض الذي لا يُتيح للآخرين فهم ما يجري، وهذا الأمر بالتحديد هو على النقيض تماما من روح العلم التي تعتمد على تبسيط الاستنتاجات قدر المُستطاع وجعلها في متناول فهم عامة الناس.

إضافة إلى غموض المنهجية، لا تُصرّح العلوم الزائفة بالكثير من التنبؤات الدقيقة التي من الممكن اختبار صحتها.

ولتوضيح هذه النقطة نقدم المثال التالي، تخيل أن “فتاح فال” قال إنك ستواجه يوما جميلا ثم سكت، وبسبب ميول البشر التطورية لربط الأحداث ومحاولة فهم النمط الذي يجمعها، ستُحاول أن تُفسر معنى “جميل” بحسب ما ستواجهه في يومك فينتقل تركيزك من اختبار صحة ادعائه إلى محاولة تفسيره وبذلك يكون هو صادق دائما وغير قابل للتخطئة.

وما يعزز العلوم الزائفة عدم وضوح التنبؤات وعدم الاعتداد بالتفسير العقلاني لها، وإن حدث ذلك في بعض الأحيان فيكون التفسير مغلوطاً ومتناقضاً، حيث تُستخدم بعض المعلومات العلمية بغير سياقها.

وكثيرا ما نجد بهذا السياق استخداما لمفاهيم ميكانيكا الكمّ، على سبيل المثال، لتفسير حوادث مثل التخاطر بينما التدقيق بهذه التفسيرات يبين مدى الجهل والدجل المنضويين خلفها. وتجدر الإشارة هنا إلى تورط أنها عالم الاجتماع العراقي المشهور علي الوردي في هذا الترويج لهذا النوع من الزيف العلمي في كتابه “خوارق اللاشعور”، حيث حاول الوردي أن يخرج بتفسير مقبول لحوادث يعتبرها العلم الحديث زيفاً ودجلاً فأدخل مفاهيم النظرية النسبية لأينشتاين وميكانيكا الكم وربطها بطبيعة البشر ومبادئ علم النفس ليترك وصمة مُشينة في تاريخه العلمي.

ما يعزز العلوم الزائفة عدم وضوح التنبؤات وعدم الاعتداد بالتفسير العقلاني لها، وإن حدث ذلك في بعض الأحيان فيكون التفسير مغلوطاً ومتناقضاً، حيث تُستخدم بعض المعلومات العلمية بغير سياقها

ومن القواسم المُشتركة للعلوم الزائفة كذلك أنها تعمل على تغييب الحس النقدي، فعادة ما تجد عند قراءتك للمقالات العلمية الكثير من النقد لدراسات سابقة، أو لنفس الدراسة أو حتى لنتائجها.

وعلى سبيل المثال، أفرد تشارلز داروين فصلا كاملا من كتابه الشهير “أصل الأنواع” لنقد نظريته وتبيين الصعوبات التي تكتنف التسليم بصحتها، حاثاً الآخرين على محاولة حلها أو اقتراح بدائل.

وعلى النقيض من ذلك نجد أن مروّجي العلوم الزائفة يهمشون الحس النقدي لدى القارئ من خلال القطع مع صدق ما يقولون دائماً دون ترك أي مجال للتشكيك أو المواربة.

إهدار الطاقات والموارد

أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بسحب أجهزة كشف المتفجرات “ايه دي أي” والتي تعرف محليا بـ”أبو الأريل”، وذلك على إثر التفجير الأليم الذي جرى بحي الكرادة وسط بغداد مطلع يوليو الماضي.

وقد مثلت أجهزة كشف المتفجرات تلك مثالاً صارخاً آخر على عدم فعالية العلوم الزائفة وتبديدها للأرواح والأموال، إذ أنّ هذه الأجهزة التي دفعت الحكومة العراقية أموالا طائلة مقابل الحصول عليها يُدّعى أن لها القدرة على كشف المتفجرات، والأسلحة وحتى المُخدرات والأدوية، بل وأكثر من ذلك أن بإمكانها أن تُشير إلى عربة كانت قد مرت بموقع انفجار سابق فعلق بإطاراتها البعض من الغبار، لكنها تعجز في الوقت نفسه عن الإشارة إلى سلاح الجندي الذي يستخدمها.

وتشير أرقام وزارة الداخلية العراقية، وبحسب تصريحات مُتلفزة لمسؤولين رفيعين فيها، إلى أن كفاءة هذا الجهاز بكشف المُتفجرات تبلغ 40 بالمئة، وهو رقم لا يضاهي حتى كفاءة لعبة “الطرة/كتب” في المجال ذاته، على فرض صحة الإحصاءات طبعاً.

ومن هنا نتبين أن العلوم الزائفة لا تُقدم سوى وعود براقة وتعد بنتائج تشبه السحر إلى درجة أن تَغري صانعي القرار، فضلاً عن عامة الناس، بإهدار المليارات من الأموال العامة كما رأينا بمثالي ستارغيت وجهاز كشف المتفجرات.

ويتخطى الخطر الرئيسي في العلوم الزائفة مشكلة إهدار الموارد، حيث أن توجيه التركيز في البحث عن حلّ للمشكلة في المكان الخاطئ هو الخطر الحقيقي. ولك أن تتخيل عدد الأرواح التي راحت ضحية التصديق بكفاءة جهاز كشف المتفجرات بدل البحث عن طرق حقيقية لحل المُشكلة الأمنية في العراق.

كاتب عراقي

12