من سوريا إلى أوكرانيا تطورات تعصف بمطامح بوتين في الشرق الأوسط

الاثنين 2014/03/24
روسيا لن تتوقف على مزاحمة الولايات المتحدة في إطار صراع النفوذ على الشرق الأوسط

في تحليله لمسار السياسة الخارجية لروسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، رصد الباحث باسم راشد المصالح الاستراتيجية التي يسعى إليها الدب الروسي جاهدا في الشرق الأوسط، و مدى نجاحه في ذلك، سيما وأن النظام الذي يدعمه في سوريا على حافة الهاوية، وتصاعد الغضب الدولي تجاه تدخله في الأزمة الأوكرانية.

يحلل الباحث باسم راشد في دراسته المعنونة بـ”المصالح المتقاربة: دور عالمي جديد لروسيا في الربيع العربي” والصادرة أخيرا عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، المواقف الروسية من مجريات الأمور في المنطقة العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس واليمن ومصر وسوريا وليبيا، وما يقف وراءها من مصالح ونفوذ، كاشفا عن مؤشرات الصعود الروسي إقليميا وعالميا على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري، وطبيعة العلاقات الروسية العربية وتأثير المتغيرات على الساحتين الإقليمية والدولية، حيث تنطلق الدراسة من أن التطورات المتسارعة في العالم تعيد رسم خرائط العلاقات بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط، فلم يكن التاريخ أبدًا مجرد مراحل انتهت وطُويت صفحاتها، لكنه يعود بقوة ليُعيد نفسه ليقدِّر لدولة كبيرة مثل روسيا أن تعود لممارسة دورها المعتاد كإحدى القوى الدولية ذات الثقل في النظام الدولي، حيث باتت أحد العناصر الأساسية المشكّلة لهذا النظام.

تنقسم الدراسة إلى عدة عناصر أساسية؛ أولها استعراض تاريخ العلاقات بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط، استنادًا إلى أن التاريخ يساهم في تفسير ما يحدث في الحاضر، ثم التطرق إلى موقع روسيا من التحول الحادث في هيكل النظام الدولي ومدى تأثير ذلك على منطقة الشرق الأوسط، والموقف الروسي من رياح التغيير الديمقراطي التي عصفت بدول الربيع العربي على خلفية المصالح الروسية في المنطقة، وصولا إلى تحديد مستقبل الدور الروسي في ظل معطيات الوضع الحالي في دول الربيع العربي، والتغيرات الحادثة في النظام الدولي ككل ومدى تأثير ذلك على إعادة تشكيل العلاقات في منطقة الشرق الأوسط.

وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم في 1999 كان بمثابة نقطة تحول في السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط


المصالح الروسية


يستعرض راشد تاريخ العلاقات بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط، والتطورات المختلفة في العالم التي وضعت روسيا أمام معطيات مختلفة ومتغيرة ومتسارعة، فقد “أدخلت نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، السياسة الروسية في الشرق الأوسط مرحلة جديدة.

وبرغم أن روسيا ورثت مقعد الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن واستمرت في المشاركة مع الولايات المتحدة في رعاية عمليات السلام بين العرب وإسرائيل، فإن حدود تأثير دورها في ما يجري بمنطقة الشرق الأوسط قد تراجع أو ربما أصبح باهتا خلال فترة حكم الرئيس بوريس يلتسين "1991 ـ 1999" وذلك مرده سيطرة ما كان يسمى بالتيار الأطلنطي الراغب في توثيق العلاقة مع الغرب، لأن روسيا، وفقًا لمنظور ذلك التيار، لم تمتلك كثيرًا من مقومات المنافسة مع الولايات المتحدة.

لكن وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم في ديسمبر 1999 كان بمثابة نقطة تحول في السياسة الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص في الفترة الثانية من حكمه التي بدأت في عام 2004، إذ نجد أن موسكو بدأت تتقرب من الشرق الأوسط بأساليب جديدة، فقام الرئيس بوتين بزيارتين للمنطقة في 2005 و2007، الأمر الذي ساهم في إعطاء انطباع بأن “الروس قادمون” وأن محاولات إحياء الدور الروسي في المنطقة أمر لا مفر منه ولا يحتاج إلى جدال، وأن هناك حربًا باردة جديدة بدأ الروس يحضرون لها في الشرق الأوسط، إن جاز التعبير.

إلا أن تلك التكهنات لم تصدق معظمها برغم عُلو الدور الروسي وتجاوزه آفاق النظام الدولي في الفترة الحالية، خصوصًا في ظل التطورات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط إثر ثورات الربيع العربي التي أطاحت بمعظم الأنظمة السياسية الموجودة في تلك الدول”.

ويرصد راشد ثلاث مصالح كبرى وأساسية تحدد السلوك الروسي في منطقة الشرق الأوسط؛ أولها: العمل على إنهاك الولايات المتحدة استراتيجيًّا عن طريق مزاحمتها في المنطقة، وذلك عن طريق استدراج الولايات المتحدة إلى مشاغبات على أكثر من ساحة، الشرق الأوسط واحدة من بينها، وذلك نابع من إدراك روسيا بأنه حينما يأتي الوقت لإعادة حساب موازين القوى العالمية، وبرغم أن موسكو على إدراك تام بأنها لا تستطيع معادلة القوة العسكرية أو الاقتصادية الأميركية في أي وقت قريب، فإنها مع ذلك ترفض أن تظل قوة عالمية من الفئة الثانية وتصر على ضرورة إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي، وإحدى وسائلها إلى ذلك هي تلك المشاغلة المستمرة والمنهكة للولايات المتحدة.

لذلك نجد أنه عندما أعلنت الولايات المتحدة عن بناء نظام جديد للدفاع الجوي بحلول عام 2015 وسارعت إلى غرس علمها في قاع البحر في منطقة القطب الشمالي فور إعلان كندا عن بناء كسارات ثلج مسلحة وأطلقت طائرات بعيدة المدى، حلقت بالقرب من القاعدة الأميركية في جوام في المحيط الهادي، فإن موسكو قامت في أغسطس 2007 بالإعلان، على لسان قائد الأسطول الروسي الأدميرال فلاديمير ماسورين، عن دراسة تقضي بإعادة الأسطول الروسي من جديد إلى البحر المتوسط مدعومًا بقاعدة عسكرية روسية يفضل الروس أن يكون مقرها سوريا.

استراتيجية بوتين في الشرق الأوسط
◄إضعاف أميركا

◄دعم حركة حماس

◄علاقات استراتيجية مع إيران وسوريا

◄الارتباط بعلاقات عسكرية مع إسرائيل


إضعاف نفوذ أميركا


من ناحية أخرى، فقد ساهمت الحرب الأميركية على العراق، في ترسيخ نفوذ روسيا في منطقة الشرق الأوسط، حيث يُعد الكثير من المحللين أن هذه الحرب كانت بمثابة فرصة استراتيجية قُدمت على طبق من فضة للروس، وذلك مرده تزامن تلك الحرب مع الصعود الإقليمي الواضح لإيران في المنطقة، ذلك الصعود الذي لم تكن موسكو بعيدة عنه بل كانت في القلب منه، فقد وقفت موسكو إلى جانب إيران في بناء مفاعل بوشهر النووي، وزوَّدت طهران بقدرات تكنولوجية سببت للولايات المتحدة، ولا تزال، قلقًا وإزعاجًا واضحًا خشية انفراط الترتيبات الإقليمية الجديدة التي أرادت بغزو العراق أن تفرضها على المنطقة، وبسبب المأزق العراقي، ذلك فضلا عن خطورة الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران.

وبالتالي فإنه يمكن القول بأن كل انشغال أميركي في الشرق الأوسط أصبح يمثل بالنسبة إلى واشنطن نافذة تنفتح على خسارة جديدة، بينما يمثل لموسكو نافذة تؤدي إلى فرصة يجب ألا تضيع. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على الموقف الروسي من وصول حركة حماس إلى الحكم في الأراضي الفلسطينية، فنجدها، أي موسكو، بادرت إلى استقبال قيادات حماس على أراضيها في فبراير 2007، مبررة علاقاتها بالحركة، التي تضعها واشنطن في قائمة الإرهاب الدولي، على أساس أن قادتها، كما ذهب وزير الدفاع الروسي سيرغي إيفانوف، قد وصلوا إلى الحكم من خلال انتخابات ديمقراطية حرة!

أما المصلحة الثانية، فهي ترتبط بالمصالح الاقتصادية الروسية في منطقة الشرق الأوسط، ويمكن القول بأن روسيا في عهد بوتين قد نجحت في التوفيق بين أهدافها الاقتصادية في المنطقة من ناحية ومصلحتها الاستراتيجية، التي ذكرناها آنفًا، والمتعلقة بإنهاك الولايات المتحدة في المنطقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن طبيعة التعاملات مع المنطقة كانت مختلفة عن الفترة السابقة والتي كانت تعتمد بالأساس على العنصر الأيديولوجي والذي كان يتغلب في معظم الأحيان على المنطق الاقتصادي، فكانت حصيلة مبيعات السلاح إلى حلفاء موسكو تجدول أو تخفض أو حتى تُلغى كليًّا، إلا أن هذه المرة اختلفت وتم التعامل وفقًا لأسعار السوق العالمية. فعلى سبيل المثال قبضت روسيا 800 مليون دولار من إيران نظير بناء مفاعل بوشهر، إلى جانب التعهد بتزويد ست محطات إيرانية أخرى، سيجري بناؤها في المستقبل، بالتقنيات اللازمة.

والمصلحة الثالثة أمنية حتمتها قواعد الجغرافيا والديموجرافيا؛ إذ يمكن القول إن الشرق الأوسط يمثل حزامًا غير مُحكم الأطراف يحيط بجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز اللتين تعتبرهما روسيا مجالا حيويًّا لها وتسخِّر كل إمكانياتها لمنع أي تعدٍّ يهدد تلك المناطق.

كما أن توثيق العلاقة مع إيران يفيد بقدر ما في إزعاج الولايات المتحدة وفي جني أرباح اقتصادية لا بأس بها من طهران. وبالتالي فإن محاولة التقارب التي سعت إليها موسكو مع إيران كانت تُعتبر إحدى الوسائل الهامة التي استخدمتها روسيا في تحجيم إيران عن استعمال الورقة الإسلامية بين مسلمي روسيا، والذين يقدر عددهم بنحو 20 مليونًا وبالأخص في منطقة القوقاز التي تعاني فيها موسكو مشكلات حادة، علاوة على منطقة آسيا الوسطى التي تعتبرها مجالا حيويًّا يجب أن يظل مقصورًا عليها، كذلك مثّلت مسألة الإسلام العابر للحدود والذي اقترن بفكرة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت موسكو- بوتين تزيد اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط، والعمل على توسيع قاعدتها مع بلدان تلك المنطقة، وهو ما يدفع روسيا إلى الاهتمام المتزايد بتلك المنطقة في الوقت الحالي، إن دققنا في المشهد، خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي تخوفًا من وصول شعلة تلك الانتفاضات إلى المحيط الحيوي لروسيا في ظل الصعود الإسلامي إلى الحكم الذي شهدته معظم دول الربيع العربي.

وجدير بالذكر أنه لم يقتصر الأمر آنذاك على فتح قنوات بين أجهزة الاستخبارات الروسية ونظيراتها في بلدان الشرق الأوسط العربية، وإنما استطاعت روسيا توسيع علاقاتها مع بلدان المنطقة ومنها إسرائيل والتي تجري معها روسيا منذ 2004 تدريبات مشتركة على مكافحة الإرهاب، ناهيك عن قيام ديمتري كوزاك مبعوث الرئيس بوتين إلى منطقة شمال القوقاز فور تعيينه في مارس 2004 بعدة زيارات لإسرائيل أسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات بشأن مكافحة الإرهاب، من بينها بيع طائرات إسرائيلية دون طيار إلى روسيا لمراقبة الحدود حول جمهورية الشيشان.

ويرصد راشد مؤشرات الصعود الروسي اقتصاديا وعسكريا وسياسيا لافتا إلى أن روسيا تحتل وفقًا لمعطيات العام 2011، المرتبة الثانية عالميًّا على صعيد القوة العسكرية الإجمالية، وتمتلك روسيا حاليًا 11 ألف رأس نووي، من النوعين التكتيكي والاستراتيجي، مقابل 8500 رأس للولايات المتحدة.

ويبلغ عدد الرؤوس النووية، الاستراتيجية والتكتيكية، حول العالم حوالي 20 ألفًا و530 رأسًا. وتشير تصريحات الرئيس بوتين، الذي بدأ في مايو فترة رئاسية جديدة مدتها ست سنوات، إلى نية الروس في استعادة قوتهم العسكرية بقوة في الفترات القادمة لموازاة القوة الأميركية أو بالأحرى لضمان وجود حائط صدّ حال تعرضهم لأي هجوم، إذ أعلن بوتين عن برنامج لإعادة تجهيز القوات المسلحة تبلغ تكلفته 23 تريليون روبل “720 مليار دولار”، إضافة إلى 600 طائرة عسكرية و1000 طائرة هليكوبتر. مُضيفًا أن روسيا تحتاج إلى قوة عسكرية أقوى لحمايتها من المحاولات الأجنبية لإذكاء الصراعات حول حدودها.

ويؤكد راشد أن المواقف الروسية حيال الثورات العربية، وخصوصًا الثورة السورية، يمثل هاجسًا قويًّا يهدد مصير تلك العلاقات التعاونية، في ظل تصدر روسيا المجموعة المحدودة من العالم التي تدعم نظام بشار الأسد ولا ترضى بأي سبيل آخر غير الحوار بينه وبين المعارضة، وهو الحل الذي لا يلقى قبولاً لدى الأطراف المعارضة، وقد أحدث نوعًا من التضارب بين المجلس الوطني السوري.

800 مليون دولار قبضتها روسيا من إيران نظير بناء مفاعل بوشهر


دعم الأسد


يرى راشد أن “الجانب الروسي يقع عليه عبء البحث عن حل بديل عن تأييد نظام الأسد، وفتح قنوات وأُطر جديدة للتعاون مع الثوار السوريين لضمان عدم المساس بالمصالح الروسية في سوريا من جانب، وضمان استمرارية التعاون مع دول الربيع العربي من جانب آخر، وهذا كله مرهون بالإرادة الروسية، ومدى الرغبة والقدرة على دعم التعاون في المجالات المختلفة مع الدول العربية، وكيفية الحفاظ على التفاهمات السياسية والحضارية القائمة بين الجانــبين”.

ويلفت الباحث إلى عدد من الأسباب التي تجعل روسيا متمسكة بنظام الأسد، منها خوفها من فقدان حليف استراتيجي والمصالح الاقتصادية، والأهم من ذلك التخوف من انتشار عدوى الثورات العربية إلى المحيط الحيوي لروسيا، إذ أن المخاوف الروسية في هذه النقطة بالأساس هي مخاوف جيواستراتيجية، تخشى من انتقال عدوى الحرب الأهلية إن وقعت في سوريا إلى مقاطعات روسيا نفسها في داغستان ومناطق القوقاز الشمالية.

فلو أن تمردًا إسلاميًّا مطالبًا بالاستقلال شب في داغستان، فإن الهزات الارتدادية لذلك قد تنفجر كالقنبلة التي تتناثر شظاياها من المعدن الساخن والأشخاص في أرجاء جنوب روسيا، ومن ثم فروسيا ترى أن سوريا بمثابة “حجر زاوية” في أمن منطقة الشرق الأوسط، وعدم استقرار الوضع فيها أو نشوب حرب أهلية سيؤدي بدوره حتمًا إلى زعزعة الوضع في بلدان مجاورة، خاصة في لبنان، ويؤدي إلى صعوبات في المنطقة كلها، وتهديد حقيقي للأمن الإقليمي.

بالإضافة إلى أن تلك التغيرات التي تحدث في العالم العربي ستهدد مستقبل أنظمة دول آسيا الوسطى، وخاصة الدول الحليفة لها مثل أذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان وبيلاروسيا والشيشان وسواها.

ويؤكد راشد في ختام بحثه أن مستقبل العلاقات بين الطرفين مرهون أيضًا بمدى إدراك الأنظمة الجديد في العديد من دول الربيع العربي بأن استعادة التوازن إلى النظام العالمي سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا أمر ضروري، لكي تتمكن تلك الدول بالفعل من تأسيس ديمقراطية حقيقية، لا تكون فريسة لمصالح قوة عالمية واحدة مهيمنة، مثلما كان عليه الحال في أغلب فترات التاريخ العربي المعاصر.

7