"من سوريا إلى الهند" عرض موسيقي يتجاوز الحدود والأزمنة

فرقة سورية تمزج حيوية الجاز بوقار الصوفية في نسيج إيقاعي مُتناغم.
الأربعاء 2021/03/03
تناغم إيقاعي رغم اختلاف المرجعيات الموسيقية

في تجربة متفرّدة وبقدر كبير من التحدّي الفني، يقوم أعضاء فرقة جاز موسيقية سورية بمزج أعمال تبدو من حيث جوهرها متباعدة، لكنها من خلال التعمّق في دراستها والعمل على صياغة مؤلفات موسيقية جديدة لها تخرج بشكل عصري يحمل روحا حداثية تتضمن قدرا كبيرا من الدهشة. فمع فرقة الجاز السورية لا حدود للأوطان والقوميات وحتى الأزمنة، والهدف تقديم موسيقى أجمل وأبهى.

دمشق - على مسرح دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) قدّمت أخيرا فرقة الجاز السورية عرضها الأحدث الذي حمل عنوان “من سوريا إلى الهند”، والذي استعرضت فيه الكثير من التحدّي الفني المتفرّد.

ويقول دلامة شهاب أحد أعضاء الفرقة التي أعيد تأسيسها في العام 2018 “فرقتنا تقدّم مشروعا موسيقيا فريدا من نوعه، تقوم عليه نخبة من عازفي الجاز ومؤدّيه من السوريين وبعض الأجانب المقيمين في سوريا، ونسعى من خلاله إلى دمج الجاز بالموسيقى السورية الشرقية والموسيقى الإلكترونية، إنه ثمرة تضافر قوي لجهود العديد من العقول لابتكار موسيقى مميزة”.

ويختزن أعضاء الفرقة الموسيقية خبرة أكثر من عشرين سنة من القيام بمشاريعهم الخاصة، لكن هذا المشروع يمثل تحديا أكبر للأعضاء والداعمين وللجمهور أيضا.

ويضيف عازف القيثارة هانيبال سعد “جل الأنغام التي نعزفها هي تأليف أصلي، نضمّن فيها الكثير من الموسيقى العربية والسورية في مؤلّفاتنا الموسيقية”.

وهذه الفرقة المغامرة التي تكوّنت من دلامة شهاب (ترومبيت) وناريك عبجيان (بيانو – كيبورد) وطارق سكيكر (بيانو – كيبورد) وباسم الجابر (كونترباص) وعبير البطل (غناء) وهانيبال سعد (قيثارة) وفارس الدهان (درامز) تعرف ما معنى أن تجمع موسيقى الجاز بالتراث الشعبي الهندي والعربي.

وهذا ما انعكس على تفاعل الجمهور معها، حيث أبدى الكثير من المتابعين ثقتهم بأن العرض سيكون ناجحا كون الفرقة صارت معروفة لدى الجمهور السوري وأعضاؤها هم من الشخصيات الموسيقية المرموقة بمكانتها العلمية وخبرتها الفنية الكبيرة.

مؤلفات أصلية

عبير البطل تغني من شعر ابن الفارض
عبير البطل تغني من شعر ابن الفارض

كان تحديا كبيرا أمام الفرقة حجم التنوّع الشكلي الذي قدّمته، فمبلغ التضاد المبدئي بين موسيقى الجاز والموسيقى الصوفية أو الشعبية العربية شاسع ومتباعد. وما زاد في التحدّي أن الفرقة لم تعمل على عزف مقطوعات شهيرة في موسيقى الجاز بل عمدت إلى تقديم مؤلفات حديثة وضعها أعضاؤها، مستفيدين من بعض المقطوعات الهندية والعربية الصوفية والشعبية، بحيث تكاملت أجواء الموسيقى تلك مع المقاطع المؤلفة حديثا فكانت روحا واحدة جديدة.

أجواء الحفل كانت مليئة بالغرابة والجدية، وحضرت توهّجات عميقة، خاصة عندما اجتمع أداء الفرقة مع صوت عبير البطل في غناء صوفي رقيق. فتضافرت رقة المعاني وحالة الوجد مع حيوية موسيقى الجاز، فشكلتا حالة متفرّدة لم يعرفها الجمهور قبلا.

واستهلت الفرقة حفلها بتقديمها العديد من المقطوعات الموسيقية المستلهمة من التراث السوري الشعبي القديم، فكانت البداية مع مقطوعة أصلية من تأليف باسم الجابر، تلتها الأغنية الشهيرة “ميلي ما مال الهوى” التي امتازت بانسيابيتها وهدوئها، ثم أغنية “قالولي كن وأنا رايح جن” التي كانت أكثر حيوية وسرعة. وكانت المقطوعة التالية من تراث الابتهال الهندي من تأليف بارفين سلطانا تخللتها مقاطع من فصول الذكر المتوارث الحلبي. وقدّم ناريك عبجيان مؤلف “نور في آخر الظلمة”، بينما قدّم طارق سكيكر معزوفة “حدود” مع ارتجالات على خلفية شعر ابن الفارض.

ومن تأليف شهاب قدّمت مقطوعة باسم “ليلة جولانية” ودبكات من تراث المنطقة، ثم قدّمت معزوفة “فندق ري راب” تأليف كريستوفر بيرثيت، تلتها مقطوعة في “برودة المساء” تأليف وتعريب ديمتري آفيبرينوس مع قصائد تانكا يابانية. ومن تأليف مهدي حسن قدّمت مقطوعة من التراث الغزلي الهندي، وكانت الخاتمة بمقطوعة “دبكة يا عيدلونا” المستوحاة من تراث القلمون السوري مع موال للمطرب نصري شمس الدين من لبنان.

كلاسيك وجاز

للموسيقى الكلاسيكية حضور كبير لدى الجمهور السوري، وكذلك فإن لموسيقى الجاز حصة من اهتمام شريحة من هذا الجمهور الذي يتتبّع حفلاتها ونشاطاتها في كل المدن السورية. ولعل أكبر الشرائح التي تتابع موسيقى الجاز هم الشباب، الذين يجدون فيها بما تمتلكه من حيوية وإيقاع مناخا ملائما لهم يناسب الطاقة المتدفقة التي يحفل بها سن الشباب.

وعبر التاريخ القريب شكّلت موسيقى الجاز في سوريا حضورا لافتا بشكلها المنظم والأكاديمي، والذي كانت قبله موجودة من خلال بعض العازفين في عدد من الحفلات المتفرّقة في بعض المراكز الثقافية الأوروبية وفي عدد من العلب الليلية المُرافقة لجو السهر، لكنها منذ العام 2005 ظهرت بشكل منظم وأكاديمي على مستوى سوريا وكذلك المحيط العربي.

وكانت فرقة الجاز السورية الأولى قد تأسّست في العام 2005 وضمت حينها أكثر من ثلاثين عازفا، كان أغلبهم من السوريين ودعّمت بعازفين من سويسرا الذين أتى بهم قائد الفرقة أماديس دنكل، الذي قام بالتنسيق مع الموسيقي العائد من الولايات المتحدة سعد بتنظيم ورشة عمل مع المعهد العالي للموسيقى أدّت إلى إنشاء الفرقة.

وفي العام ذاته انطلق مهرجان موسيقى الجاز في سوريا، وقُدّم في ثلاث سنوات متتالية وحقّق نجاحات كبرى، وقدّم حفلاته في قلعتي دمشق وحلب الشهيرتين والتي شارك فيها عازفون من دول عالمية منها سويسرا والهند وكندا وغيرها.

16