من سيئ إلى أسوأ العراق يذهب إلى الهاوية

السبت 2014/05/31

لا أمل للعراقيين في الخروج من نفق الرعب الذي أدخلهم الاحتلال الأميركي فيه. لا تقع تلك الخلاصة المؤلمة موقع خصام بين متفائل ومتشائم، ولا بين صديق متألم وعدو شامت.

ما ينطق به المشهد العراقي يشير بقوة إلى إمكانية وقوع الأسوأ. فكل ما لا يتوقع المرء وقوعه متفائلا بنوع من صحوة الضمير يدنيه الواقع من خط المصير المحتم. فهل كُتب علـى العراقيين أن يكونوا دائمي التمني في ألا يكون غدهم أسوأ من يومهم؟

لقد رسخت الانتخابات النيابية الأخيرة فكرة أن لا بديل في العراق عن السياسيين الفاشلين الذين قادوا البلاد في حقبة ما بعد الاحتلال الأميركي في دروب متاهة، لن يكون الخروج منها إلا بمعجزة، هي ليست من اختصاص الطبقة السياسية التي قُدّر لها أن تستولي على كل مفاصل الحياة السياسية.

لم يكن أمام الناخب العراقي لكي يعبر عن رغبته في الانتقال إلى مرحلة التغيير سوى أن يلجأ إلى تقنية الورقة البيضاء، وهي تقنية لا يفهم إيجابياتها مواطن وضعته آلة الحكم بين سنـدان الأحزاب الطائفية والعرقية، وبـين مطرقـة الجماعات المسلحة الإرهابيـة التي قيض لهـا مـع مـوعد الانتخابات أن تقـف عنـد حدود العاصمة العراقية. ولم يحدث ذلك بالصدفة طبعا.

لذلك لم تعد الإصبع البنفسجية التي كان العراقيون يتمنون في وقت سابق لو أنهم قطعوها قادرة على الفرار من خيانتها التاريخية.

لقد أدرك العراقيون بمرارة أن الوقت لم يعد يعمل لصالحهم. لقد تأخروا كثيرا في الدفاع عن كرامتهم وحقهم في المواطنة والتمتع بثرواتهم بطريقة عادلة. كان عجز الطبقة السياسية المتنفذة ماثلا أمام أعينهم ولم يفعلوا شيئا.

وإذا ما كان المحتل الأميركي قد وضع القطار العراقي على سكة لن يحيد عنها، فهل كان على العراقيين أن يغادروا ذلك القطار، أو أن يمكثوا في أماكنهم بانتظار السقوط في الهاوية؟

كانت تلك المقاربة قد وجدت لها انعكاسا مريبا في قدرية دينية ساهمت بإتقان في تمييع الحس الوطني والإعلاء من شأن الخرافة الطائفية. وهو ما يفسر خروج الملايين في مواعيد محددة لزيارة قبور الأئمة الذين لم يكن لهم ذكر في تاريخ العراق، في الوقت الذي تقتصر فيه مظاهرات التنديد بالفساد الحكومي على العشرات.

لقد دخلت المؤسسة الدينية وبقوة على الخط الذي جعل من العراق بلدا منذورا للفشل، بل وللسقوط في الهاوية بأسرع وقت ممكن. لذلك يمكن القول، إن المخطط الأميركي ما كان له أن يكون متقنا إلى هذه الدرجة، لولا أنه قد وجد الطرق كلها سالكة أمامه.

كان من اليسير على المحتل الأميركي أن يُحل طبقة سياسية كان قد جلبهـا معـه محـل طبقة سياسية كانت موقع ضجر ويـأس وكراهية بالنسبة إلى غالبية العراقيين.

فالعراق الذي عاش عقودا في ظل نظام الحزب القائد الذي سلّمه إلى نظام الحزب الواحد الذي سلمه إلى نظام العائلة لم تتح له فرصة التعرف على حيـاة سياسية سويـة، أما خبراؤه من السياسيـين الوطنيـين في الخارج، فقد تم استبعادهم من قبل سلطة الاحتلال بسبب موقفهم المناوئ للحرب على بلادهم، بمعزل عن موقفهم المضاد للنظام الذي كان قائما.

وهكذا يكون المحتل قد سلم البلاد ومن عليها لأتباعه، ممّن ارتضوا أن يكون الغزو الأجنبي وسيلة لتغيير النظام.

وهي الحقيقة التي يعيشها العراقيون اليوم. صُوريا لم يعد العراق محتلا من قبل قوات أجنبية، ولكن ما يعيشه العراق في ظل حكومة أركانها من أبنائه، إنما هي صورة مثالية لما كان المحتل يخطط له: بلاد ذاهبة إلى فنائها، إن من خلال التفكك أو من خلال الخضوع للفشل السياسي منعا للحرب الأهلية.


كاتب عراقي

8