من سيحارب داعش في الأنبار: العراق، إيران أم التحالف الدولي

الأربعاء 2015/04/22
سمعة ميليشيات الحشد الشعبي السيئة تلاحقها من تكريت إلى الأنبار

بغداد - تجد حكومة بغداد نفسها اليوم أمام خيار صعب، وهي على أبواب معركة الأنبار، فإمّا مواصلة المسار المتّبع في عملية استعادة تكريت المتمثّل في استخدام ميليشيات الحشد الشعبي، ضاربة عرض الحائط برفض واشنطن وعدد لا يُستهان به من العشائر السنّية في المحافظة الغربية، وإما تغيير المسار بالكامل.

تتدافع أمواج النازحين العراقيين من سكّان الأنبار على وقع طبول الحرب التي تدقّها أكثر من جهة على أبواب المحافظة الغربية العراقية، منذرة باندلاع معركة عسيرة وطويلة، نتيجتها ستحدّد الملامح العريضة لمستقبل العراق. ويحيط الغموض والتخبّط بمسار العملية العسكرية التي تمّ الإعلان عنها لاستعادة محافظة الأنبار من يد تنظيم داعش.

وتقدّم حالة الضبابية والانقسام هذه، صورة ملموسة عن الكيفية التي يؤثّر فيها تداخل البعد السياسي بالبعد الطائفي في ما يحصل في العراق.

ويشمل الالتباس بشأن معركة الأنبار موعد انطلاقها والقوى المشاركة فيها والمناطق ذات الأولوية بتوجيه الجهد العسكري إليها والدور الأميركي فيها، وكذلك حقيقة اشتراط واشنطن عدم إشراك الميليشيات الشيعية في هذه المعركة المصيرية ضدّ تنظيم داعش.

ويسود التناقض التصريحات الرسمية للمسؤولين العراقيين بين من يقول إنّ العملية بدأت فعلا، ومن يعلن أنه جار الإعداد لها، فيما يتجلّى انقسام العشائر السنّية وسكّان الأنبار، والمحافظات السنّية عموما، بين مؤيّدين لإشراك الميليشيات الشيعية في معارك استعادة المحافظات التي يسيطر عليها داعش، وبين رافضين يخشون أن يتكرّر سيناريو الأعمال الوحشية التي ارتكبها المسلحون الشيعة في تكريت.

وأبدى المهندس محمد الفهداوي، الذي غادر منطقة سجارية إلى الشرق من الرمادي، شكوكه في إمكانية استعادة الأنبار بالتعويل على قوات الجيش العراقي بمفردها.

وقال إنّه يرحّب بأيّ قوة تحارب الدولة الإسلامية بما في ذلك الفصائل الشّيعية المُسلحة التي لعبت دورا رئيسيا في وقف تقدم المتشددين في أماكن أخرى. لكن مواطنه سعد جابر كريم، قال إنّ ما سمعه عمّا ترتكبه الفصائل الشيعية بحق السّنة في المناطق التي تمت استعادتها يجعله يفضل أن تظل السيطرة تحت أيدي متشدّدي الدولة الإسلامية.
خلافا لمعركة تكريت ستغرق الميليشيات الشيعية أكثر في مستنقع الأنبار إذا ما حاولت محاربة داعش هناك بمفردها

وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد أعلن قبل أسبوعين، أنّ الأنظار تتجه الآن إلى الأنبار بعد هزيمة متشددي تنظيم داعش في مدينة تكريت الواقعة إلى الشمال. لكنّ الحملة الجديدة لاسترداد الأراضي الصّحراوية الشّاسعة لم تكن قد بدأت بعد عندما هاجم متشددون مدينة الرمادي واستولوا على مناطق في الشمال والشرق ممّا دفع مسؤولين محليّين إلى التحذير من أنّ المدينة، مركز محافظة الأنبار، على وشك السقوط، فيما يظلّ يتردّد على وقع طبول الحرب تساؤلات عدّة مفادها: من سيحارب داعش في الأنبار: العراق أم إيران أم الولايات المتحدة؟ وماذا ستفعل حكومة العبادي إذا أصرّت إدارة أوباما على استبعاد الميليشيات الشيعية من محاربة داعش في الأنبار كشرط أساسي لتقديم المساعدة؟

معضلة العبادي

يسيطر تنظيم داعش منذ مطلع 2014 على أجزاء من الرمادي وكامل مدينة الفلوجة التي تعدّ كبرى محافظات العراق، وهي خليط من المدن والأراضي الصحراوية والزراعية الواسعة، وتتشارك حدودا طويلة مع كلّ من سوريا والأردن والسعودية.

ورغم أن القوات العراقية تحاول الاستفادة من ارتفاع معنوياتها نتيجة استعادتها، مؤخرا، معظم مناطق محافظة صلاح الدين ومركزها مدينة تكريت، إلاّ أنّ تكرار هذا التّقدم في الأنبار لا يبدو يسيرا في ظلّ المعطيات الراهنة.

ويُعرقل وُجود العبوات الناسفة وانتشار قناصي تنظيم داعش تقدم القوات العراقية لاستعادة مناطق شرق مدينة الرمادي، فيما تضع شروط واشنطن القاضية بتحجيم دور الميليشيات الشيعية في معركة الأنبار، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمام مشاكل شديدة التعقيد؛ فهو من جهة إذا سحب الميليشيات سيضاعف تنظيم داعش من هجوماته، مثلما حدث في الرمادي قبل أيام، ومن جهة ثانية إذا انتظر حتى تكون القوات العراقية جاهزة حقّا لأداء المهمّة دون مساعدة الميليشيات، فسيُثير غضب العراقيين الشيعة لتباطئه في محاربة داعش.

أمواج النازحين العراقيين من سكّان الأنبار تتدافع على وقع طبول الحرب
وقد كان لفشل العبادي في الحصول على كل ما يريد من أميركا أثناء زيارته إلى واشنطن، انعكاس على المعادلات السياسية في بغداد. ولوحظ صدى هذا الفشل في موقفين متتاليين: يتمثّل الأول في إدانة الميليشيات الشّيعية المتطرّفة للولايات المتّحدة بالصوت العالي، أمّا الثاني فيتمثّل في حصول تغيير في خطة الحكومة في ما يتعلق بهذه الميليشيات، بناء على الهجوم الأخير الذي شنّه تنظيم داعش على الرمادي.

نعيم عبودي، المتحدث باسم ميليشيات “أهل الحق”، أوضح بدوره أنّ السبب الكامن وراء الانتكاسات الحاصلة في محافظة صلاح الدين بعد معركة تكريت هو قرار السحب الجزئي لميليشيات الحشد الشعبي. وأضاف ” الأميركيون تعمدوا خلق مساحة لداعش للمناورة. إنّهم يريدون الحفاظ على داعش كوسيلة للضغط على حكومتنا. فالتنظيم المتشدد يتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية علنا، والآن لم نعد نريد المشاركة في أيّ معركة بالمنطقة ما لم تدعونا القبائل المحلية إلى ذلك”.

ولتفسير سياق الديناميات الحالية على أرض الواقع في العراق، يشير تقرير صدر عن مجموعة الشرق الاستشارية الأميركية، إلى أنّه من الأهمية بمكان، الإشارة إلى ما ارتكبته الميليشيات الشيعية وقوات الحشد الشعبي بحقّ السكان المدنيين السنّة بعد سيطرتها على تكريت، ممّا جلب لها إدانة واسعة من مختلف الطوائف العراقية ومن الحكومات في العالم.

ووفق خبراء أميركيين، فقد أكّد تصرف تلك الميليشيات صواب قرار البنتاغون القاضي بوقف الغارات الجوية في الأماكن المجاورة لتكريت وعدم التعويل عليها في معركة الأنبار.

إشراك الحشد الشعبي

أثناء الهجوم على الرّمادي، فجر يوم الـ15 من أبريل الجاري، كانت القوات التابعة لميليشيات الحشد الشعبي تشهد فوضى عمليّاتية في ما يتعلق ببقائها في مواقعها أو الانسحاب تحت ضغوط سياسية. وبدافع من رغبتها في ابتزاز العشائر السنّية والرّافضين لتدخل الميليشيات الشيعية في المعارك ضدّ داعش، سحبت ميليشيات الحشد الشعبي أجزاء من قواتها خارج منطقة صوفية على تخوم الرمادي قبل ساعات قليلة من هجوم تنظيم داعش.

ونظرا لافتقاد الدّعم من ميليشيات الحشد الشعبي، فقد أبلغت قوات الجيش العراقي قياداتها في بغداد بأنّها لن تقدر على دحر داعش لوحدها، وبعد فترة قصيرة انسحبت. وبعد يومين سمحت بغداد بدخول ثلاثين ألف فرد من الميليشيات إلى الرمادي تحت حجّة حمايتها من هجوم حوالي 800 مقاتل من داعش، الذي لديه مصلحة في الإبقاء على ميليشيات الحشد الشعبي في الصورة، من أجل دعم مساندة القبائل السنية المتخوّفة من ردّات الفعل الانتقامية الشيعة.

وتتوقّع مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية أن يلجأ رئيس الوزراء العراقي بصورة “غريزية” إلى حلفائه من ميليشيات الحشد الشعبي والمسؤولين الإيرانيين، وسيؤدي ذلك إلى جعل معركة الأنبار معركة طويلة ومنهكة، كما أنّها ستجعل استعادة الموصل بعيدة المنال، في الوقت الراهن، بالنسبة إلى الحكومة المركزية في بغداد.

جرائم الميليشيات الشيعية بحقّ السكان المدنيين السنّة في تكريت جلب لها إدانة واسعة من مختلف الطوائف العراقية ومن الحكومات في العالم

وبدأت ملامح توجّه العبادي نحو إيران وفرضية الاتكال على الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية في معركة الأنبار تتّضح، من خلال تصريحات مسؤولين عراقيين مقرّبين من الحكومة، أكّدوا أنّ بغداد ستتحوّل إلى طهران إذا لم تحصل على المساعدات التي تريدها من واشنطن.

وقال قيادي بارز في قوات الحشد الشعبي إنّ الفصائل التابعة للحشد استكملت جميع استعداداتها للمشاركة في معارك استعادة محافظة الأنبار من سيطرة داعش، وهي بانتظار أوامر القائد العام للقوات المسلّحة ورئيس الحكومة حيدر العبادي.

وأوضح كريم النوري، القيادي في الحشد الشعبي، أنّ جميع فصائل الحشد الشعبي “استكملت استعداداتها للمشاركة في معارك استعادة مدن الأنبار من يد داعش، ويبقى القرار النهائي متروك لتقديرات العبادي بشأن إشراك الحشد من عدمه”.

وهذا القرار سيتمّ اتخاذه، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع سيعقد في بغداد يضم عددا من شيوخ عشائر المحافظة والمسؤولين فيها، إضافة إلى قادة من الحشد الشعبي للاتفاق على دخول الأخيرة إلى الأنبار للمشاركة في قتال تنظيم داعش من عدمه.

ولا يستبعد خبراء ومحلّلون في مجموعة الشرق الاستشارية مشاركة الحشد الشعبي في معركة الأنبار، لكن خلافا لمعركة تكريت ستغرق هذه الميليشيات أكثر في مستنقع الأنبار، إذا ما حاولت محاربة داعش بمفردها.

وإلى أن يستقر الرأي بالعبادي، ستبقى تهديدات تنامي نفوذ داعش قائمة وسيستمر تفاقم دور الأطراف الإقليمية متواصلا، وستواصل إيران توسّعها في العراق، وحتّى لو قبلت واشنطن مشاركة أذرعها في الحرب ضدّ داعش، فإنّها لن تحقّق حلمها بالسيطرة التامة على العراق، بمحافظاته السنية والشّيعية، وكلما اعتقدت أنّها سيطرت على نيران هذه المحافظة أو تلك، ستشتعل نيران أخرى في محافظة أخرى.
7