من سيروي الحكاية؟

الأربعاء 2013/11/20

إلـى جـِهَـاد مـُحـمَّـد، وإلى سـائـر الـمـعـتـقـلـيـن من أجل أفكارهم.

هَل مِن إنجازٍ يَدفعُ إلى إمْعانِ البصيرة، والضَّمير، والـنّـقـدِ أيضاً، فـي ما عَصفَ بالعربِ وتاريخهم الراهن، كالذي عمَّ أرجاءَ شوارعِهم منـذُ عـامين؟ إذْ راحَ التغييرُ يشغل عليهم يومياتهم، أو بالأحرى صيَّرَ التغييرُ الشعبَ موضوعَ نفسه، بعد أن ظلَّ يرزح تحت مصادراتِ النهب، والتجيير، وشتـَّى أساليب السلطوية. ثمّ دفعَ به إلى حقوقه التاريخية بدءا بالامتحان الشائك لانتصار الهامش، ومطارحه الضَّـيـّـقة التي استحالتْ متوناً للثورة، وحيازة السياسة؛ الأمر الذي حطـّمَ هـَيْـمنـة أهل السلطة، أولا. ومكّنه من خربطة العتاد الفكري للمنتظرين عند أبواب المصالح، والأيديولوجيا، والتغيير بمعناه السياسوي الضيق، ثانيا. أمام أمانٍ عريضة كهذه، والتضحية الثمينة للنجاح بالامتحان، وتحقيق مكاسب تاريخية جذرية، كان لا بُدّ لفاتورة الدم أن تكون مرتفعة في حسابات العامّة متسيّدة المشهد. كما أدّى لتحَسُّسٍ جديٍّ إثرَ خطر الانتفاض الشعبي، ورعبٍ حقيقيٍّ بدا واضحاً على الذين نصَّبَهم (وجدانُ الخلق/ العامّة) أعداءً للتغيير بمختلف أصعدته.

هذا سيفسّر لاحقاً لماذا يُرادُ للثورة السورية أنْ تصبحَ درسا لكيفيَّةِ كبحِ إرادة الشعوب، والتطبيق بحقِّها أبشع الممارسات والسياسات الكلبيَّة، التي تـُدلـِّل على رغبةٍ معمّمة عند أطراف التسلط، والهيمنة لإبقائها حربا تتوخـَّى الانقساماتِ العمودية إذ تضرب القاعدة العريضة للانتفاضة المجتمعية الأولى. وترسّخ أكثرَ حالات الفقر ديمومة، وأشدّها تخلفا، وأعجزها عن حمل أي مشروع "ديمقراطي وتغييري" أثقل من رغيف خبزها اليومي!.. ويبقى أن يكتبَ المنتصرُ التاريخ.

تقول الحكاية الصوفية إنَّ القطب عبد القادر الجيلي عـَصَرَ كيس نقود ابتغى الخليفةُ رشوتَه به؛ حتى يكفَّ عن تحريض عامّة بغداد التي نصّبته خليفة فخرياً بوجه مؤسسة الخلافة الرسمية. بيد أنّ الكرامةَ تأبى إلا التَّحقُّـقَ لتفضحَ فجورَ السلطة. وتتهافت الرشوة، بعد أن راح الكيس يرشح دماءً.. إنها دماءُ الخلق، يقول الجيلي.. هذه اللطائف تـُذاق ولا تـُحكى، منها نستشرف عذابات العامية السورية، وأساليب نضالها التي باحت بها (رغما عن التاريخ) حكاياتُ ثورتهم في الوجد، وحلقات التظاهر، والإنشاد،.. ومقاطعة السلطة، أي سلطة، والضدّيـّة من مقامها العالي. نعم، إنها الضديَّة، المقاطَعة، المعارَضة، أسبابٌ تراكمت في وعي السوري الثائر، وتكاثفت بمروياته اليومية على مدار… الكثير، الكثير. حتى لا ميقات، ولا حدّ يضبط رؤياها أنْ تشطحَ هازئةً بقيود المحدود، والموجود الظاهرية. كذلك أفصحت حكايا السوريين وإشراقاتها بوجه عناد التاريخ، وعنجهية الظـَّلَمَة. بالأخص التي قصّها علينا جـهـاد مـحـمّـد. جـهاد الذي اتّحد مع شخوصه في حقيقة الأمر، فصار سهلاً عليه التماهي بقصص المعذبين، بعد أن وطـّن نفسه على غربة "الأغيار"، ولسانُ حاله يروي لنا داخل محبسه حكايته/ حكايتنا، النازفة دماً. لـتـتحـقـقَ سلطةٌ أخرى لا عن طريق فعل "الحكاية" فقط، إنما بالارتقاء إلى "الذوق" الوجداني المتحرر مـِن عبء القياس، والأدلجة، والانضباط الزائف. يعزز ذلك فضاءٌ يحفَلُ بالـسِّـيَـر مالئة المَسامِع. صحيح أنّ المنتصر هو مـَن يكتب التاريخ، ولكن مـَن يكتب الحكاية؟ يقول غرامشي.

14