من سيشتمني الآن؟

في مشهد الجنازة المهيب.. وفي سرادق العزاء المكتظ، تمنيت لو تصحو ولو لمرة وتمنحني توبيخها اللاذع أمام المعزين، أو تصفع وجهي مذكرة إياي بتقصيري أو كثرة غيابي عنها.. تعيدني طفلا في حضنها.
السبت 2018/12/22
لؤلؤة القلب التي غادرت الحياة إلى مدينة السعادة الخالدة (لوحة: محمد خياطة)

“هناك ثمّة شيء قد انطفأ في قلبي وللأبد.. شيء لن يعود كما كان؛ مهما حاولت”.

(فيكتور هوغو في رائعته “البؤساء”)

***

يرن الهاتف، وقبل أن أنطق يأتيني صوتها بعد السلام موبّخا بلهجة الطيبين القروية “فينك يا ولد؟”، فأنتفض رعبا من غضبها، وأحاول استدراجها للضحك بعد افتعال بعض الأعذار الواهية التي تبلعها بمزاجها، ثم لا تلبث أن تدعو لي، فينشرح قلبي.

وحتى في زياراتي إليها بقريتنا الصغيرة، تستقبلني بقبلة على الخدين، ثمّ لا تلبث أن تأخذني كطفل في أحضانها الدافئة، قبل أن تنقلب عليّ بعتابها البريء في صوت خافت جدا متبوعا ببعض الشتائم اللاذعة، وتنهال بكفها الطري على خدي، فأنحني مانحا قفاي لها كي تصفعني بأمومتها الحانية، ولا تلبث بعدها أن تطبع قبلتها الباسمة على رأسي وهي تقول “أنت كده على طول تضحك عليّ يا ولد”، ثم تدفعني قليلا وهي تتمتم “خلاص يا صايع سامحتك”!

تلك كانت أمي.. وتلك كانت لؤلؤة القلب التي غادرت الحياة إلى مدينة السعادة الخالدة في غمضة عين، فشعرت في حضرة جثمانها المسجّى بغرفة العناية المركزة وكأني طفل لا يعرف كيف يحبو أو يتنسم لثغته الأولى، فبدا تائها.

وحدي كنت واقفا أمام سريرها قبل دقائق؛ ناضرة الوجه، كانت بسمتها الواهنة تتلألأ في بياض مثير، وكأنها تستقبل بشيرا غير مرئي، بينما كنت أستفسر الطبيب، خيّل إليّ أنها فتحت عينيها بتلويحة الوداع، ثم أغمضتهما دون أن أدري أنها إلى غير رجعة، نظر إليّ الطبيب مدهوشا وهو يشير إلى صفير الجهاز الطبي الموصولة إليه، إيذانا بفقدان آخر أملٍ طغى عليه صوت المؤذن لصلاة الجمعة وهو يأتينا من المسجد البعيد، ما بين الله أكبر والشهادتين، فاضت روحها كما طلبت وتمنت دائما فتحققت نبوءتها.. وهنا ابتسمت في ثبات والطبيب يعانقني مواسيا.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

في مشهد الجنازة المهيب.. وفي سرادق العزاء المكتظ، تمنيت لو تصحو ولو لمرة وتمنحني توبيخها اللاذع أمام المعزين، أو تصفع وجهي مذكرة إياي بتقصيري أو كثرة غيابي عنها.. تعيدني طفلا في حضنها كما سيرتي الأولى، تداعبني بسيل حنانها وتشتمني للمرة الأخيرة، حيث لا أحد الآن سيشتمني بعدها.

يا أيتها التي كان يكرمني الله ببرّها، وبركة دعائها، ارقدي في سلام، كما عشتِ في سلام، طبتِ حيّة وميتة، وطبنا نحن أبناءكِ وبناتك بثمرة دعائك، وأستميح منكم عذرا أعزائي لهذا البوح الشخصي.. حيث الآن لم أعُد بحاجة أبدا للتظاهر أني بخير.

24