من سينتخب الأسد

الأربعاء 2014/05/07

سيُقدم الأسد على إجراء انتخابات رئاسية، وسيفوز بها على منافسيه؛ النتيجة محددة سلفا. وصل النظام إلى هذه اللحظة، ليس لقوَّته، فهو بلغ من الضعف درجة الاعتماد شبه الكلي على قوات غير سورية، من شيعة الدول المجاورة، وبقيادة إيرانية.

ولكنه ما زال يحظى بالدعم الدولي، حتى ممن يدعون صداقة الشعب السوري، لإنجاز دوره في قمع الثورة، وليس لدوره في قتال الكتائب الإسلامية، فقد رأينا عجزه، فهو ما زال قادرا على ضبط الشعب، الذي بات قسم كبير منه نازحا في مناطق يسيطر عليها، لمنعه من العودة إلى الثورة، وتنظيم نفسه، فقد كثّف الحواجز الأمنية، واستمرّ في الاعتقالات والمداهمات، والقتل المكثَّف تحت التعذيب. ويمكن القول إن رغبة المجتمع الدولي في إطالة أمد الصراع، وعدم الرغبة في السماح لأي طرف بالحسم العسكري، وراءه استمرار قدرة النظام على ضبط بقية المجتمع غير الثائر، أو المنكفئ عن الثورة، الأمر غير المضمون بعد الإطاحة بالنظام.

وإذا كانت الفعالية القتالية في الجبهات المشتعلة هي للكتائب الإسلامية، والتي يتم التحكم بها من دول إقليمية عبر التمويل والتسليح، فإن الثورة بجانبها المدني قد تراجعت، حيث ينهمك الشعب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في تأمين قوت يومه، ودفن شهدائه ومعالجة جرحاه، فيما انصرف الناشطون إلى العمل الإغاثي، وتتحكم الكتائب الإسلامية في المناطق المحررة، وينشغل الشعب بمواجهة سلطتها القروسطية. وظلت البقية الباقية من الشعب حبيسة خوفها من بطش النظام، والذي يزداد وطأة مع ضعف قدرته على السيطرة وتحقيق التقدم، وظل جزء كبير من الشعب يعيش في مخيمات النزوح الحدودية.

لم يكن بمقدور النظام البقاء، لولا وجود مشكلات بالثورة نفسها، فهي لم تخلق البديل السياسي، ولم تقنع المؤيدين ولا حتى المترددين، بل لم تحافظ على البيئات الحاضنة لها، والتي اشتركت فيها من البداية. والسبب الرئيسي هو ضعف الوعي السياسي لدى الشعب، وعدم القدرة على وضع استراتيجية للثورة، بسبب غياب القدرة على تشكيل أحزاب ثورية تقوم بكل ذلك. فيما تشكلت هيئاتٌ معارضة، بعضُها عمل على التخويف من الثورة، كهيئة التنسيق بلاءاتها الثلاث، وبعضها الآخر تبنى سياسة دعم التوجهات الإسلامية وطلب التدخل الخارجي، كالمجلس الوطني، بينما الائتلاف الوطني يقيم حكومته المؤقتة خارج الحدود، ويتحكم به الأميركان عبر دعم مالي يخص أعضاءه دون دعم الثورة. وكل تلك الهيئات ساهمت في تفاقم مشكلات الثورة عبر أدائها العاجز عن فهم طبيعة الثورة والنظام، خصوصا مشكلة الأسلمة المتزايدة والطائفية، والتحكم الخارجي، وتراجع دور الحاضنة الشعبية للثورة.

وللنظام كتل تواليه، ليس لقناعة به، ولكن لأن لها مخاوف من تهديدات تمس وجودها في حال سقوطه. ويمكن وضعها في الفئات التالية:

1 - الأقليات الدينية المتخوفة مسبقا من التطرف الإسلامي السني، ومن الحرب الطائفية التي ستتسبب في إلغائها كأقليات دينية، هذه المخاوف تشكلت منذ الحرب على الإخوان المسلمين في الثمانينيات، والتي اتخذت شكلا طائفيا من الطرفين، فضلا عن أن إعلام النظام ومخابراته، ومنذ بدء الثورة، عملا على دعم تلك المخاوف. يوالي غالبية العلويين والمسيحيين النظامَ، مع وجود عدد كبير من نشطاء الثورة المنحدرين منهم، وفي الغالب اضطروا إلى مغادرة بيئاتهم خوفا على حياتهم. الدروز والإسماعيليون في أغلبهم غير مؤيدين لأسباب تتعلق بعداء قديم مع النظام، شاركت بعض المناطق في الثورة، السويداء والسلمية، ولكن ذلك لا يعني أن ليست لديهم المخاوف الطائفية ذاتها من التطرف الإسلامي، والذي بات يرافق تصاعد عنف النظام، مما جعلهم ينكفئون عن الثورة. استغل النظام المخاوف الطائفية لتجنيد المقاتلين من فقراء تلك الأقليات.

2 - سكان المدن الكبرى من الطبقة الوسطى الخائفون على وضعهم الاجتماعي من الفوضى في حال سقط النظام، وهؤلاء منهم العلمانيون المتخوفون من التشدد الإسلامي، ومنهم الموالون للمؤسسة الدينية، وهي المعروفة بقوتها واتساعها خاصة في دمشق وحلب، وهؤلاء يفضلون بقاء الأسد الذي أعطى لتلك المؤسسة كل الدعم، ويخشون منافسة مؤسسات إسلامية أخرى تسحب منهم مكانتهم. ولكن هؤلاء سمحت لهم حالتهم المادية الجيدة بعدم تقديم مقاتلين للنظام.

3 - جزء كبير من العشائر السورية في الشمال والشرق، ومشاركة بعضهم في الثورة كانت فردية، حيث كسب النظام ولاء عشائر بأكملها، وجندها للقتال في جيش الدفاع الوطني في حلب خصوصا.

4 - الأقليات القومية، لكن جزءا واسعا من الأكراد في الحسكة انخرط في الثورة، لكن المخاوف من الإسلام السياسي، خاصة كونه مدعوما من تركيا، جعلها تنكفِئ عن الثورة، بل إن بعض أحزابها المعارِضة باتت تقوم بدور الشبيحة في الاعتقال ومنع الثورة.

5 - شرائح لا بأس بها من الموسرين من أبناء المناطق التي دخلت في الثورة، والذين باتوا يفضِّلون البقاء تحت راية النظام، بعد أن ذاقوا بؤس سلطة الكتائب الإسلامية وغيرها، كما هو حال مناطق القلمون بعد أن استعادها النظام.

واليوم تزايدَ المد الإسلامي الجهادي في الثورة، وتزايدت الطائفية، حيث التهديد المباشر للعلويين بالقتل، وبعض الكتائب توالي القاعدة، والجبهة الإسلامية تنادي بتطبيق الشريعة، حتى كتائب الجيش الحر غازلت الكتائب الإسلامية بإظهار الأسلمة، مما جعل المخاوف من نشوء سلطة بائسة أو الفوضى تزداد لدى الشرائح السابقة، وتراجعت بالتالي مشاركة من انضم إلى الثورة، وهنا لا قيمة للدعوات أو التهديدات الموجهة إلى العلويين وغيرهم للانضمام إلى الثورة، حيث الثورة بتحولاتها، و”بمنظّريها” الإسلاميين والليبراليين الذين صنعتهم شاشات الإعلام، لم تتمكن من المحافظة على من انضم إلى الثورة، ليس فقط من الأقليات الدينية والعرقية، بل حتى من المسلمين السنة أنفسهم، وذلك عبر تبريرها للتنظيمات الجهادية وللأسلمة وللطائفية.

لا أحد قلق بشأن الانتخابات، حتى مؤيدو النظام، فنسبة النجاح مقررة سلفا، وما على المعنيين بإجرائها سوى ملء قوائم المصوِّتين بنعم للرئيس الحالي. وقد لا يستغرب أحدنا أن يكون شارك في الانتخابات وصوت للرئيس دون علمه، ويُذكر أن الأجهزة الأمنية تقوم بأخذ أسماء المواطنين المتواجدين في مناطقها وأرقام بطاقاتهم، لينتخب السوريون حتى لو لم يذهبوا إلى مراكز الاقتراع.


كاتبة سورية

9