من شؤون الترجمة وشجونها

الأربعاء 2013/10/23
مسلسل "لا إله إلا الله" يبحث في ديانة الفراعنة

في صغري، تابعت المسلسل الدرامي "لا إله إلا الله"، من تأليف أمينة الصاوي. كانت تكتبه للتلفزيون لكي يذاع في أمسيات شهر رمضان سنويا، ولم أسأل آنذاك: هل كان المصريون القدماء بالفعل مسلمين؟ ليس على ملة إبراهيم "هو سماكم المسلمين من قبل"، وإنما يتكلمون بلسان عربي مبين.

مع التقدم في السن، فوجئت بأن هوميروس نفسه كان مولعا بالبيان القرآني، هكذا شاء له دريني خشبة حين ترجم "الإلياذة" و"الأوديسة". في "الإلياذة"، على سبيل المثال، يتخفى أبوللو ويذهب إلى إينياس العظيم، لكي يثيره على أخيل، "ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب، ولحمتها التباهل بالأحساب، والتبجح بأنا ابن من سمك السماء، ودحا الأرض، وأنبت فيها من كل زوج بهيج!". وفي "الأوديسة" تحنو مينرفا ربة العدالة والحكمة على الفتى تليماك وتنصحه: "ما هي إلا كلمات تقولها، وعلى الله قصد السبيل"، ويتفاءل نسطور بابنة سيد الأولمب، مينرفا، ويناجيها:"وسنصلي لك ونذبح باسمك خير بقرة، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لاشية فيها".

في ذلك الوقت كان المسكين أوديسيوس يبتلى في تيه العودة، فوق سفينة "تأخذ سبيلها في البحر سربا". وحين عاد ليثأر لنفسه، وقف هاليتير ناصحا الأشقياء من أبناء إيثاكا: "الرأي ألا تذهبوا، وألا تجعلوها فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

هل يمكن تقبل هذا "التصرف" في الترجمة؟ وإلى أي مدى يعد نوعا من الاجتهاد، الذي سلكه عبد القادر القط، بحسن نية فيما أظن، حين ترجم "هاملت"، وجاءت ترجمته لصيحته الشهيرة المأثورة هكذا: "أحيا، أو لا أحيا، هذه هي القضية!".

وإذا راعينا السياق التاريخي لترجمة دريني خشبة لملحمة هوميروس، قبل نحو 70 عاما، فما الذي يشفع لمترجم معاصر، يتاح له سيل من المصادر والمعارف، أن يخطئ في ترجمة "معلومات؟"

في عام 1999 صدرت في القاهرة ترجمة لكتاب "جواسيس جدعون.. التاريخ السري للموساد" لجوردون توماس، وفي عام 2007 صدرت في بيروت ترجمة أخرى حملت شعار "الطبعة الأولى". تقع طبعة القاهرة في 407 صفحات، وتضم 17 فصلا، وطبعة بيروت تبلغ 592 صفحة، وتضم 26 فصلا بعضها عن أسامة بن لادن وما بعد صدام حسين، ويسجل المؤلف تاريخ فراغه من الكتاب في يوليو تموز 2004. وأتصور أن قارئ الكتاب يحتاج إلى الترجمتين معا.

فيذكر المؤلف أن إيلي كوهين، المولود في الإسكندرية في 16 ديسمبر/كانون الأول 1924، طرد من مصر وجند عام 1957 في الجيش الإسرائيلي، وتزوج عراقية اسمها نادية، وتم زرعه في الأرجنتين، وأصبح اسمه كامل أمين ثابت، سوري يتوق إلى العودة إلى الوطن، وتمكن من اكتساب ثقة وصداقة رجال الأعمال في دمشق، ومن أن يكون من أصدقاء معز زهر الدين ابن شقيق رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين (في الترجمة المصرية أوضح المترجم الفلسطيني أحمد عمر شاهين، في هامش، أن المؤلف قال إنه ابن شقيق الرئيس السوري).

ولكن مروان سعد الدين، في الترجمة البيروتية، يسجل أن كوهين تزوج العراقية "ناديا"، وأصبح اسمه السوري "كميل أمين تابز"، وكان من أصدقاء "غازي زهر الدين ابن أخت الرئيس السوري". وبعيدا عن التباين في ترجمة الأسماء، لا أدري هل قال المؤلف إن صديق إيلي كوهين كان ابن أخت الرئيس السوري، أم كان ابن أخيه؟ هذا لا يقبل التأويل!

في الترجمة المصرية، تمكن رفائيل إيتان من اصطياد النازي "أدولف إيخمان" من الأرجنتين، وكان يتخفى باسم "ريتشاردو كليمنت"، الذي سيصبح في الترجمة البيروتية "أدولف إيتشمان"، المتستر باسم "ريكاردو كليمنت".

في فصل عنوانه "أورا والوحش"، يترجم أحمد عمر شاهين: "كانت مهمة إدارة المخابرات العامة العراقية التي يرأسها "صباح" الأخ غير الشقيق لصدام حسين والذي لا يقل إرعابا منه". ويكتب المترجم في الهامش: "لم يكن هناك مدير للمخابرات العامة وقتها (1988) اسمه صباح".

وفي الترجمة البيروتية، وهي خالية من الهوامش، يترجم مروان سعد الدين: "منظمة الاستخبارات العراقية الرئيسية، والتي يديرها سبعاوي، أخ صدام حسين غير الشقيق، والمخيف مثله تقريبا".

هذه السطور التي تزيد قليلا على 500 كلمة ترهق القارئ، وتوقعه في تيه المقارنات، بين ترجمة عربية وأخرى للكتاب نفسه، وللاسم نفسه، بما في ذلك أسماء هيئات وشخصيات عربية يسهل التحقق منها.

ولهذا يجب ألا نندهش من معرفة أن عدد الكتب المترجمة في إسرائيل أو أسبانيا يزيد على ما يترجمه العالم العربي، بعد ضياع الجهود في ترجمة الكتاب الواحد أكثر من مرة، وبأكثر من صيغة، ويكفي أن نجد ثلاث ترجمات لعنوان رواية ماركيز الأخيرة "ذاكرة غانياتي الحزينات"، ولا أدري أي العناوين الثلاثة أكثر دقة!

14