من شاتوبريان إلى ميشال أونفري لا شيء جديدا في النظر إلى العرب

الأحد 2015/05/17
ميشال أونفري يحرص في كلامه على نوع من التعامل المنطقي مع تاريخ الفلسفة الغربية

في ثلاثينات القرن التاسع عشر، راح الناثر العبقري، شاتوبريان، (1768-1848)، يحذر بني قومه مما رأى فيه خطرا ما بعده خطر على مصير الحضارة اليونانية اللاتينية المسيحية. وبالفعل فقد أكد أنه في حال تذبذب المواقف السياسية في بلده قد تبلغ الجيوش العثمانية باريس، وتتحول عاصمة النور إلى عاصمة إسلامية. وكان بذلك قد بلغ قمة التطرف الديني، أما قرينه، الشاعر الرومانسي، لامارتين، (1790-1868)، فقد تبصر في نفس الموضوع، وكان أن وضع دراسته القيمة عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ضمن كتابه عن “تاريخ تركيا”.

اليوم يبدو أن فرنسا مريضة بعلمانيتها، وهذه حقيقة نلمسها لمسا في تصريحات السياسيين ورجال الفكر والأدب إلا فيما ندر. أصحابها يأتون، في كل مرة، بالعجب العجاب في مضمار التطرف والتقوقع على الذات. هذه العلمانية لا تحتمل أديانا أخرى حطت رحالها في الدارة الفرنسية على الرغم من أن فرنسا نفسها هي التي استقدمتها، من حيث تدري ولا تدري، منذ أن بسطت سيطرتها الاستعمارية على العديد من البلدان الأفريقية والآسيوية.

ويبدو أيضا أن الفلاسفة الفرنسيين الذين برزوا خلال الربع الأخير من القرن العشرين لم يحسنوا التعامل مع هذه العلمانية، وأولهم، ميشال أونفري، ذلك الذي أسس الجامعة الشعبية عام 2002، على سبيل التنوير ، واستنفد في محاضراته جميع مواضيعه الفلسفية التاريخية ليتحول بعدها إلى مجادل لم يسلم منه جان بول سارتر ولا سغموند فرويد ولا غيرهما، وذلك شأنه على أيّ حال. لكن الوضع السياسي في فرنسا، وما استجد فيه من أحداث جسام، دفع به إلى أن يركز اهتمامه على نفس الموضوع الذي عالجه قبله، وبكل تطرف، الأديب شاتوبريان قبل ما يقرب من قرنين من الزمان.

والواضح هو أن ميشال أونفري يحرص في كلامه، على نوع من التعامل المنطقي مع تاريخ الفلسفة الغربية منذ عهد سقراط إلى يومنا هذا، ولكنه يجادل حبا في المجادلة، إيمانا بأنه “بلاش فلسفة” كما قال محمود أمين العالم إن لم تكن هناك مجادلة، أو “يوناني، فلا يقرأ” كما كتب الدكتور طه حسين. وفضلا عن هذا فإن أونفري يترسم خطى سالفه، شاتوبريان، بل، ويمضي إلى ما هو أبعد منه في التحذير من الخطر الإسلامي.

ميشال أونفري يسير في نفس الخط الذي سار عليه فولتير خلال القرن الثامن عشر، وشاتوبريان خلال القرن التاسع عشر، وبذلك يسلك سلوكا سلبيا حيال العالم الإسلامي والمسلمين والإسلام

فهو يرى في الجغرافيا عيبا، وسبق له أن حمّلها ما لا تطيقه. إن السؤال المطروح هنا هو: ما هو ذنب صورة الأرض إذا كان لتركيا قدم في قارة أوروبا؟ إن ميشال أونفري يرفض، تلقائيا، العلم الجغرافي -دون أن يقول ذلك صراحة-، ليقف وقفة معارض عنيد من دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، والسبب في هذه المعارضة هو أن تركيا بلد مسلم، وانتماؤها إلى أوروبا قد يغير العديد من المعطيات السياسية والعقائدية، ويجعل من الإسلام دينا له الأغلبية العددية في بعض بلدانها، ومن بينها فرنسا.

إن ميشال أونفري لا يأتي بجديد بمثل هذه المعارضة، بل يسير في نفس الخط الذي سار عليه فولتير خلال القرن الثامن عشر، وشاتوبريان خلال القرن التاسع عشر، وبذلك يسلك سلوكا سلبيا حيال العالم الإسلامي والمسلمين والإسلام.

عندما نراه يتحدث في شاشات التلفزيون الفرنسية نشعر به وكأنه يطالب الدين الإسلامي، من حيث هو دين، أن يغير جلدته، وما أكثر ما سمعنا مثل هذه المطالبات من جانب العديد من الذين يدعون وصلا بالديموقراطية في العالم الغربي كله، وبالعلمانية على وجه أخص. إن أونفري لا يطلب من المسلمين أن يتغيروا، بل يركز جل اهتمامه على الدين الإسلامي في المقام الأول، وهو بذلك يشعلها نار فتنة صليبية جديدة بين المسيحية والإسلام، وليس بين الإسلام والعلمانية بعد أن هدأ أوراها فترة من الزمن. إنه لا فرق في هذا الشأن بينه وبين السياسيين المتطرفين الذين نسوا، أو هم تناسوا أنهم استقدموا، في يوم من الأيام، دين الإسلام بفعل ممارساتهم العسكراتية في أراضي العالم الإسلامي.

وبدلا من أن يصبّ أونفري اهتمامه على أزمة العلمانية المريضة في بلده، أي أن يتمعن في إمكانية تطويرها وجعلها سلوكا سياسيا وفلسفيا سمحا حيال الآخرين، فإنه يوجه أنظاره نحو الإسلام من حيث هو دين، ثم إلى المسلمين، ويزعم أنه رحب الصدر في مثل هذه المعالجة. إنه يرى أن القرآن الكريم ينطوي على الكثير من الآيات التي تدعو إلى القتل والذبح، ومعنى ذلك أنه ينبغي إحراق هذا الكتاب المقدس حتى يتم تقبل المسلمين، شكليا، في أرض فرنسا. وهو، على سبيل التمويه، يصدر نفس الحكم على النصرانية واليهودية حتى لا تقع التهمة عليه بأنه صاحب نظرة متزمتة، جغرافيا وحضاريا ودينيا.

تخطيط ساي سرحان

والظاهر أن ميشال أونفري يفتقر إلى الموضوع الفلسفي الكبير الذي يميز كل من يتعاطى الفلسفة على وجهها الصحيح. وحين يتحدث الفيلسوف عن الإسلام فإنه لا يختلف عن أيّ سياسي متطرف في بلده، سواء أكان من اليمين أم من اليسار. إنه على شاكلة أولئك الذين يدلون بدلائهم فيما تصطخب به الساحة السياسية الفرنسية ولا يجدون، في آخر المطاف، سوى أن يلقوا اللعان على من يزعمون أنهم سبب البلاء، أي على المسلمين الفرنسيين تحديدا.

ميشال أونفري يعلم الحقيقة التالية: سواء أكان المسلم الفرنسي مؤمنا يطبق تعاليم دينه، أم بربريا، أم صابئيا، أم شيوعيا ملحدا، أم صاحب انتماء آخر، فإنه، في رأي هذه العلمانية المريضة، إنسان ينتمي بجسده إلى فرنسا ولكنه ينتسب حضاريا إلى صقع آخر كان على الدوام في صراع مع الحضارة اللاتينية اليونانية المسيحية، وهو الأمر الذي لم يتقبله حين رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فكيف يقبله اليوم وقد جرت أحداث عنيفة في بلده واتهم فيها الأبرياء؟

إن علمانية فرنسا لا تقبل بعناصر جديدة تنضاف إلى القيم التي تتمسك بها. في هذا السياق يضرب ميشال أونفري صفحا عن وقائع التاريخ حين يتجاهل، عمدا وقصدا، حقيقة الحقائق، وهي أن علمانية بلده هي التي استقدمت هذا “البعبع″ الذي يقال له الإسلام، وذلك بحكم تاريخها الاستعماري خلال القرنين الأخيرين. كما أن علمانية أونفري المنقوصة لا تدفعه إلى أن يطالب بلده بالوقوف عند حدوده، أي بالإحجام عن التدخل في شؤون غيره من البلدان المقهورة.

فهو لا يرى ضيرا في أن تقصف طائرات بلده بلدا مثل “مالي” بحجة الدفاع عن الديموقراطية في حين أن فرنسا لا يهمها من هذا البلد سوى ثرواته الباطنية. وهو لا يرى ضيرا، أيضا، في أن تقصف طائرات بلده أرض العراق، وأن تطير، بكل حشمة وخوف، في إثر المقنبلات الأميركية.

إن علمانية بلده التي يتذرع بها ميشال أونفري، لا تغامر في أرض أفغانستان وباكستان لأنها تعرف النتيجة مسبقا. غير أن ثائرته تثور عندما يجيء متطرفون ويمطرون وابل رشاشاتهم على جماعة من رسامي الكاريكاتور بمجلة “تشارلي إيبدو”، ويرى في ذلك قمة الهمجية مع أنه يفترض في أولئك الرسامين وفي السياسيين الفرنسيين، وفيه، هو كفيلسوف، أن يرفعوا أصواتهم ضد سلوك أولئك الذين لا يحترمون العلمانية ومبادئها وتطبيقاتها في عقر دارهم. ويلف ميشال أونفري ويدور ولا يجد منفذا آخر يتسلل منه إلى الدارة الفلسفية سوى الإسلام، من حيث هو دين، ثم المسلمين من حيث هم يمثلون نسبة محترمة في تعداد الشعب الفرنسي. وهي نسبة قد تتحول إلى موجة كاسحة على الصعيد الديني، ويزعم أنه يأتي بجديد في مضمار الإبداع الفلسفي!

مشكلة أونفري تتمثل في كونه يظن أن المعارضة على الصعيد الفلسفي هي الفلسفة كلها، لكنه لا يحب تصويب أنظاره إلى موضوع العلمانية في بلده، لأنها هي سبب التذبذب الذي يعانيه هو وتعانيه فرنسا، ويدفعه إلى تبني طروحات المتطرفين من اليمين واليسار من حيث لا يدري ولا يشعر، وهو بذلك يلتحق بركب فولتير وشاتوبريان في كل ما يعادي الإسلام من حيث هو دين، ولا يقبل به في أرض فرنسا، ورب عذر أقبح من ذنب!

كاتب من الجزائر

13