من شبكة إلى شبكة

مجالك الحيوي وعملك مثل قدرك، مسؤوليتك، وخيارك الذي لا يمكن أن تتملص منه وعليك أن تضع فيه بصمتك.
الجمعة 2019/03/29
تيم بيرنرز لي مؤسس الإنترنت

اهتدت الشركات الصينية إلى فكرة لم يسبقها إليها أحد في التاريخ. فلكي تضمن تلك الكيانات الاقتصادية العملاقة عدم فرار موظفيها إذا ما اكتشفت هيئة المحاسبة والرقابة فيها، أن أحدهم فاسدٌ أو مختلس أو حتى مقصّر في عمله، قامت بنصب شباك حول المباني الخاصة بها، بحيث إذا قفز الموظف كي يهرب سيقع في الشبكة على الفور. وهناك أهداف أخرى لتلك الشباك الكبيرة الواسعة، فهي تمنع الموظفين المضغوطين نفسيًّا تحت حسد زملائهم وكيد مدرائهم من أن ينفذوا قراراتهم بالانتحار. فإذا قفز الموظف كي يتخلص من شقائه في الدنيا المهنية، التقطته الشبكة مجددًا ليعود إلى عمله سليمًا معافى.

وهكذا لا فرار.

وقبل أن ينتهي هذا الشهر، مارس، تكون قد مرت ثلاثون عاماً على تلك الفكرة التي ابتدعها تيم بيرنرز لي، بينما كان يعمل لدى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، لتتبُّع الأبحاث في معمل فيزياء الجسيمات في جنيف، لتكون بداية الشبكة العنكبوتية العملاقة فائقة الأثر المسماة “الإنترنت”.

لكن انظر كيف يفكر بيرنرز لي، وكيف تظهر لك الأفكار تأثير البيئات التي تتخلق فيها. حين يُسأل بيرنرز لي عن أقرب شكل لطريقة عمل الويب قاد عقله إلى ابتكار الإنترنت لاحقاً، يتضح أن الأمر شبيه باقتصاد السوق، ففيه يمكن لأي شخص المتاجرة مع أي شخص آخر دون الحاجة إلى الذهاب إلى سوق حقيقي للقيام بذلك. كل ما يحتاج إليه المتاجرون هو معرفة القواعد. فالجزء الذي يجد الكثيرون صعوبةً في فهمه بشأن الويب، حسب شريك بيرنرز لي مارك فيسكتي محرر مجلة “سينتفك أميركان”، هو أنه شبكةٌ لا مركز لها. تماماً كما هو الحال في سوق مفتوحة.

 إن هذا يعني أنك لا يمكن أن تنتج مبتكرات فكرية علمية وتدخل العصر الحالي، دون أن تعيش حقاً في بيئة تجعلك تدرك كيف يمكن الاتصال ما بين المكونات التي بين يديك.

يعتقد بيرنرز لي أن الأمر لم يسر كما تمنى هو شخصياً، فقد أصابه الإحباط حين رأى الناس لا يهتمون بصناعة المحتوى، بل بتصفح ما هو موجود، وهذا أكثر ما يستفز المبدع. ولكنها في النهاية شبكة أيضاً، وقد وقع فيها مليارات البشر.

غير أن درس بيرنرز لي مثلما هو حال الدرس الصيني، هو أن مجالك الحيوي وعملك مثل قدرك، مسؤوليتك، وخيارك الذي لا يمكن أن تتملص منه وعليك أن تضع فيه بصمتك. وإلا لتحولت الدنيا إلى فوضى تشبه الشرق الأوسط السعيد حيث تُضرب شباك من أنواع أخرى، شباك من الأوهام والمخاوف ينصبها الناس حول أنفسهم، ليكونوا هم في النهاية الطرائد الوحيدة التي ستسقط فيها.

24