من صنع انتفاضة أوكرانيا زعيمة الغاز أم حركة عاريات الصدور

الأحد 2014/03/09

في يوم المرأة العالمي ثورة كييف تقودها النساء

برلين- أمس هو الثامن من آذار ـ مارس، يوم المرأة العالمي، الذي يُحتفى فيه بدور المرأة في المجتمع والتاريخ، وفي هذا الوقت من الزمان، تقود نساء بدرجات متفاوتة في أكثر من مكان على سطح الأرض حركات تحرر، وتغييرات سياسية كبرى، بعضها واضح وبعضها ملتبس، في أوكرانيا قادت النساء التغيير، بعد أن كان العالم ينظر إلى نساء تلك البلدان المنفرطة عن عقد الاتحاد السوفييتي على أنهن مجرد “لُعب” أو “رقيق أبيض”، ولا دلالة أن تكون حركة “فيمن” التي شغلت العالم، بفتيات يعرين صدورهن ويكتبن على أجسادهن عبارات احتجاجية، قد ولدت في أوكرانيا التي فاجأت الدب الروسي بانتفاضتها العارمة التي أطاحت بحليفها في كييف، ولكن لماذا يسند الجميع زعامة المعارضة الأوكرانية إلى رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة السجينة يوليا تيموشينكو التي لم تكن يوماً ضد مصالح روسيا بل بالعكس قضت فترة العقوبة بعد محاكمتها على تجاوز صلاحياتها في توقيع اتفاقية الغاز مع روسيا لصالح روسيا وليس لصالح بلادها أوكرانيا.. أي تكريساً للهيمنة الروسية وهو ما أخرج ملايين الأوكرانيين للخلاص من سلطة موسكو على بلادهم.


حركة فيمن والقضايا الكبرى


حركة فيمن هي حركة احتجاجية بدأت أول مرة في ابتكار أساليب جديدة للدفاع عن حقوق المرأة، وكانت الشرارة الأولى التي أطلقتها هي انتشار كتيبات للتزويج المبرمج يعرض الأوكرانيات فيه مع مواصفات معيارية وكأنهن سلع للبيع، ثم تطوّرت وانتشرت في العالم بهدف تطوير الصفة القيادية والفكرية والأخلاقية للشابات الأوكرانيات” و”لبناء صورة لأوكرانيا بأنها بلد يقدم فرصا كبيرة للمرأة”، ولم تكن أول وآخر مرات ظهور نساء الـ”فيمن”، تلك التي ظهرن فيها بشارب يمثل شاربيْ ستالين و بشعارات مكتوبة فوق الصدور العارية في بروكسل أمام مقر المجلس الرئاسي الأوروبي للاحتجاج على السياسة الروسية في أوكرانيا، حين صرخت إحدى شابات حركة الـ”فيمن”: “عناصر المخابرات الروسية والوحدات الخاصة يتنكرون بثياب الشرطة الأوكرانية و يشاركون في قمع الشعب في ساحة الاستقلال بكييف”.

وقبل ذلك كانت حركة “فيمن” قد شنت هجومها العاري طيلة السنوات الماضية في تكسير لكل أشكال السلطات وللفت النظر إلى قضية الشعب الأوكراني وصولاً إلى الاحتجاج الذي نظمته في معرض هانوفر الصناعي في ألمانيا حين زاره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، حيث تقدمت فتيات فيمن وعرّين صدورهن ورددن شعارات مناهضة لبوتين تصفه بالقاتل عندما شاهد بوتين وميركل معروضات شركة “فولكسفاغن”، وكتبن نفس العبارات على أجسامهن، وتدخل رجال الأمن لإيقافهن، فيما ذهب بوتين وميركل إلى القاعة المجاورة، وكانت حركة “فيمن” قد دعت إلى إعلان الرابع من نيسان ـ أبريل من كل عام “يوم الكفاح العالمي بـالصدور العارية”.


يوليا تزعمت الثورة أم ركبت عليها


في سنوات نضال نساء “فيمن”، كانت قد وصلت امرأة أيضاً إلى سدّة الحكم في كييف، إنها يوليا تيموشينكو التي شجعت المعارضة على المطالبة بحقوق الشعب في وجه الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، تيموشينكو كانت قد سجنت في العام 2011 بتهمة تجاوز سلطتها عندما وافقت على إبرام صفقة لشراء الغاز من روسيا اعتبرت غير عادلة بحق مصالح البلاد، كما واجهت تيموشينكو تهمة في التهرب الضريبي تعود للفترة التي كانت تدير فيها شركة خاصة للطاقة في تسعينات القرن الماضي، وفي نيسان ـ أبريل من العام 2013، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن الفترة التي قضتها تيموشينكو رهن الاعتقال قبل محاكمتها كانت “تعسفية وغير قانونية”، رغم أن القضاة لم يفتوا في شرعية الحكم الذي صدر بحقها والمتعلق بصفقة الغاز الروسية، وفي أواخر عام 2011، نقلت تيموشينكو إلى سجن آخر يقع على مشارف مدينة خاركيف شرقي البلاد، ولكنها استمرت في الشكوى وقال أطباء ألمان إنها بحاجة إلى رعاية طبية اختصاصية.


تمثال جان دارك ومذكرات ثاتشر


وبجديلتها الأوكرانية التقليدية، تقدمت يوليا تيموشينكو من أوساط أثرياء أوكرانيا، محتفظة في مكتبها بتمثال صغير لجان دارك مع نسخة من مذكرات رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر وكتاب عن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، وكان قد ولدت في العام 1960، لتتحول إلى خبيرة اقتصادية سوفييتية حين كانت أوكرانيا ضمن نطاق الدولة الشيوعية الكبرى، ولتصبح مديرة لشركة كبيرة للطاقة حصلت على احتكار تصدير الغاز الروسي إلى أوكرانيا بعد استقلال البلاد في 1991.

حركة “فيمن” شنت هجومها العاري طيلة السنوات الماضية للفت النظر إلى قضية الشعب الأوكراني

ملهمها الروحي هو بافلو لازارينكو رئيس الوزراء السابق المسجون اليوم في الولايات المتحدة بتهمة اختلاس وتبييض أموال، وكانت قد بدأت حياتها السياسية في العام 1997، بعد انتخابها عضوا في البرلمان، وفي 1999 أصبحت نائبة رئيسة الوزراء في حكومة فيكتور يوتشينكو، و أصبحت وزيرة وأصدرت تشريعات تتعلق بإصلاح قطاع الطاقة. ويقال إن تيموشينكو تحولت إلى صفوف المعارضة ليس بفضل تحولات فكرية وسياسية لديها بل بفضل السجن الذي تعرضت له حيث جلب لها الكثير من التعاطف في أنحاء متفرقة من العالم.

وفي 2011، حكمت عليها محكمة كييف بالسجن سبع سنوات مع النفاذ وبدفع تعويضات تبلغ حوالي 200 مليون دولار، بتهمة “تجاوز حد السلطة” لدى إبرام اتفاقات حول الغاز مع موسكو في 2009، وقد تحول توقيفها وسجنها إلى نقطة خلاف رئيسية بين أوكرانيا والغرب الذي كان يطالب بإلحاح بالإفراج عنها مع أن كثيرين يعتبرونها انتهازية فاسدة.

وبعد انطلاق الانتفاضة في أوكرانيا، طالب كثيرون بإطلاق سراح يوليا تيموشينكو، فجاء قرار إطلاق سراحها نتيجة لتصويت البرلمان على تعديل قانون العقوبات، وهي خطوة كانت جزءا من الاتفاق الذي أبرمه الرئيس يانوكوفيتش مع المعارضة، وكان إطلاق سراح تيموشينكو أحد شروط اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وأعلنت تيموشينكو بعد إطلاق سراحها من خلال موقعها الإلكتروني أن ” الديكتاتورية قد سقطت”، بعد أن اتهمت يانوكوفيتش بتحويل أوكرانيا الى كوريا الشمالية ورأت أن إجراء أية مفاوضات معه أمر عبثي.


خشية المتظاهرين من يوليا


يأسف المتظاهرون في كييف، بسبب غياب زعيم من “العيار الثقيل” عن الساحة ولذلك فقد رأى المراقبون أن خروج يوليا تيموشينكو من السجن يمكن أن يعقد الوضع بالنسبة إلى المعارضة، وكما قال أندريه فايس من معهد كارنيغي للسلام الدولي “نرى شرخا في المعارضة ودخول تيموشينكو إلى المعادلة قد يسبب خللا كبيرا”. وقال الخبير السياسي الروسي ستانيسلاف بيلكوفسكي لإذاعة صدى موسكو إن “قادة المعارضة يخشون ذلك جدا أكثر من تخوفهم من يانوكوفيتش”، وأضاف “من الواضح أنه مع خروج يوليا تيموشينكو من السجن سيكون أول ما تفعله هو إزاحة فيتالي كليتشكو، وبعد ذلك ستقيل أرسيني ياتسينيوك (زعيم حزبها) ثم سيختفي أوليغ تيانيبوك (زعيم الحزب القومي سفوبودا) في مكان ما”.

وكما حدث في مصر بعد الإطاحة بمبارك، وفي غيرها من البلدان التي شهدت التغيير عبر الجماهير، ستهب يوليا تيموشينكو وأنصارها إلى اعتلاء صهوة جواد الثورة الأوكرانية، لتقودها إلى التوافق وتطبيق تفاهمات مع كل من روسيا والنظام القديم (التي هي جزء منه)، وبالطبع للتوافق مع مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وستفتقر الجماهير التي خرجت في احتجاجات عارمة إلى الزعامات التي تعبّر عنها، كما في بلدان الربيع العربي، الذي اضطر لتفويض المعارضة التقليدية رغم ما يشوبها من الكثير من إشكالات النمو والتطور الفكري، وحسب لها قطبية التناقض مع الأنظمة الحاكمة من قبل ليس أكثر.

وهنا سيعود من جديد مصطلح “سرقة الثورات” ليظهر في أنحاء جديدة من العالم، على أن هذا التفسير لاعتلاء ظهور الملايين، ليس جديداً وإن كان يتم التركيز عليه اليوم، فقد عرفت الثورة الروسية البلشفية من قبل الأمر ذاته، وعرفت ثورة الشعب الإيراني الإشكال ذاته حين استولى عليها الخميني، بعد أن كانت يسارية وسطية، وكذلك ما شهدته الثورة المصرية بعد تنحية الملك فاروق، ليبدو هذا قدراً شعبياً يتطلب المزيد من تنوير الناس بدلاً عن استعمالهم كمراكب للوصول إلى الحكم كل مرة.

8