من طالبان إلى داعش: التطرف يضغط على أفغانستان

تواجه حركة طالبان، أم كل الجماعات المتشددة، على نحو غير عادي، انقلابا محتملا في خضم محاولات تنظيم الدولة الإسلامية تحقيق تقدّم داخل أفغانستان وباكستان، لينافس طالبان والقاعدة في عقر دراهما، وهو ما ينذر بمستقبل أكثر قتامة للأفغان الذين تحوّلت بلادهم إلى بؤرة إرهابية ومركز لصناعة أيديولوجيا التطرف.
الأربعاء 2015/07/08
صراع طالبان والقاعدة والدولة الإسلامية يقضي على أمل الأفغان بعودة الحياة لبلادهم

كابول - تعتبر أفغانستان أبرز مثال حيّ على التأثيرات الخطيرة لانتشار التطرّف والتشدّد الديني، فهذا البلد كان قبل حوالي نصف قرن من أكثر بلدان المنطقة الأوراسية تقدّما وتحضّرا وتحرّرا. لكن اليوم لم يعد من أفغانستان، التي تحدّث عنها خالد حسيني في روايته الشهيرة "عداء الطائرة الورقية" سوى الذكريات، بل إن الأجيال التي ولدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسيطرة تنظيم طالبان على البلاد تعتقد أن لا وجود لأفغانستان تلك، بل إن الوضع على الساحة اليوم ينبئ بمستقبل أكثر قتامة خاصة بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية على الخط.

يتحدّث الحسيني، وهو من مواليد عام 1965 في كابول، عن المدينة التي أمضى فيها طفولته والتي “كانت جذابة ومنفتحة على العالم… فيها دار للسينما تعرض الأفلام الأجنبية وجامعة ومدارس ثانوية وتوفر التعليم للبنين والبنات”. وكانت عائلته تختلط مع الشعراء والكتاب والدبلوماسيين والصحفيين والأطباء والمحامين.

لكن، في أواخر التسعينات "لم يعد هناك تطيير طائرات ورقية ولم يعد بمقدور الشعب الأفغاني أن يرقص أو يرسم أو يغني في ظل حكم طالبان"، لقد قتلت الحياة في أفغانستان التي تحوّلت إلى مركز رئيسي لتخريج الإرهابيين في العالم على وقع صراع دولي دموي بين الولايات المتحدة وخلفائها من جهة، وحركة طالبان التي صنعتها ثم انقلبت عليها، وحلفائها من جهة أخرى.

وفي خضم هذا الصراع، يتصاعد الخوف في صفوف الأفغان بعد وصول تنظيم الدولة الإسلامية إلى أفغانستان، وظهور بوادر صراع بين هذا التنظيم وحركة طالبان التي تسيطر على حوالي 70 بالمئة من جنوب البلاد. وهو صراع يقتل كلّ أمل لدى الأفغان في عودة الحياة الطبيعية إلى بلادهم.

يقول خبراء إن الصراع القادم في أفغانستان سيكون مدمّرا حيث أن التنافس سيكون بين ثلاثة من أقوى التنظيمات المتشدّدة في العالم، وكل جهة ترى في هذا الصراع مسألة وجودية؛ وإلى جانب طالبان، يدخل تنظيم القاعدة على الخطّ أيضا، فتنظيم الدولة الإسلامية افتكّ منه الزعامة، وهو اليوم يطمح إلى منافسته في منشئه ومركزه الرئيسي.

وفي يناير الماضي ادعى زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي أن أفغانستان تابعة له عندما أعلن أنها جزء من ولاية خراسان، وهي مقاطعة تخضع لخلافته. وكذلك ضمّت إلى ولاية خراسان من قبل الدولة الإسلامية مناطق البشتون القبلية الواقعة خلف خط دوراند الاستراتيجي. ويشير اسم خراسان إلى اسم المنطقة التاريخي ويشمل أجزاء من المنطقة المعروفة في يومنا هذا باسم أفغانستان وإيران وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان.

سيطرة داعش على أجزاء من أفغانستان وقربه من خط دوراند يعني مزيدا من القوة المالية لهذا التنظيم

وأعلنت مجموعة من ذوي الرتب المتوسطة من مقاتلي طالبان، غير الراضين عن الملا عمر، ولاءها للبغدادي. ورفضت حركة طالبان بسرعة المنشقين واعتبرتهم عناصر إجرامية، ولكنها اهتزت بوضوح من التوغل الجريء للبغدادي إلى دائرة نفوذها. وهناك سبب وجيه لقلق الطالبان، حيث حصلت العديد من الاشتباكات بين العناصر السابقين في حركة طالبان والذين انضموا لداعش والآخرين الذين مازالوا على ولائهم للملا عمر. وقد جدت أخطرها في ولاية ننجرهار، التي تقع على الحدود مع باكستان: وهي المنطقة التي استطاع داعش بسط سيطرته عليها بعد قتال عنيف هناك.

وتعني سيطرة داعش على أجزاء من أفغانستان، وقربه من خط دوراند، مزيدا من القوة المالية لهذا التنظيم، الذي كتبت في شأنه صحيفة “الإندبندنت” البريطانية قائلة إن “داعش أفغانستان كارثة ينتظرها العالم. فتواجد تنظيم الدولة الإسلامية في جنوب آسيا يعني استفادته من تجارة المخدّرات والأفيون الذي تعتبر أفغانستان من أكبر الدول المصدرة لها في العالم، مثلما استفادت من نفط العراق وسوريا وأثارهما”.

أما خط دوراند فيعدّ من بين أكثر المواقع خطورة في العالم، وهو الحدود الفاصلة بين أفغانستان وباكستان ويمتد على مسافة 2640 كيلومترا تغلب عليها المناطق الجبلية الوعرة. وعند الخطّ تحارب الولايات المتحدة وحلفاؤها حركة طالبان، بشقيها الأفغاني والباكستاني.

ووصف وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس الإقليم الحدودي الشمالي الغربي والحزام القبلي على طول حدود باكستان مع أفغانستان بأنّه “قلب إرهاب طالبان والقاعدة”، وبالتالي فإن دخول تنظيم الدولة الإسلامية على هذا الخطّ سيزيد من صعوبة الوضع على القوات الدولية وعلى باكستان وأفغانستان والعالم عموما.

ويخشى المسؤولون أن يكون دخول داعش في المنطقة سببا في تدفق السلاح والمال، مما يثير منافسة وحشية بين المقاتلين المحليين الحريصين على إثبات أنفسهم بارتكاب فظائع على نحو متزايد.

وقال غرايم سميث المحلل المختص في شؤون أفغانستان لمجموعة الأزمات الدولية إن أحد قادة طالبان السابقين أعلن ولاءه لداعش “لأنه شعر بالغربة من قيادة طالبان”. وأضاف سميث “ونتيجة لذلك يبدو أنه سيفعل أفضل ما بوسعه، يبدو أن لديه المزيد من الأموال والأسلحة عما كان سابقا”.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية، رفض الكشف عن هويته، إن كل من المسؤولين الأفغان والباكستانيين يتقاسمون المخاوف مع واشنطن حول تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسعى لإيجاد موطئ قدم له في المنطقة. وقال برهان عثمان، الباحث في شبكة محللي أفغانستان إن داعش يكافح من أجل أن يظهر كتحد حقيقي لحركة طالبان، التي لها حضور كبير في المجتمع البشتوني القبلي.

12