من طلب العلا

السبت 2017/06/17

كل الوقائع تشير إلى أننا نتعرض إلى خداع النفس في كل يوم تقريباً، حين نسمح لذائقتنا باستشفاف أبيات شعر وأمثال شعبية لا تتجاوز حدود معانيها سوى في سطور قليلة، وبصرف النظر عن واقعيتها أو عدمها وحتى من دون أن نفقه معناها ومقاصدها وجدواها، فقد كان علينا أن نستشهد بها مراراً في ورقة امتحان أو في نص إنشاء ممل في درس اللغة العربية، وربما لكسب جولة في معركة انتهت بخسارة فادحة، خسارتنا طبعاً.

الخطاب السلبي الذي يفرضه علينا بعض من الموروث، مازال يتسبب بمزيد من التعقيد في تفاصيل حياتنا اليومية ويتحكم في تغيير اتجاه أهدافنا وطموحاتنا، حتى مع وضوح الحد الفاصل بين خيال الكلمات المنمقة والواقع المؤسف.

لذلك، يصبح تعبير شعري بسيط مثل؛ “بقدر الكد تكتسب المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي”، مجرد كلمات هشة لا تتجاوز وظيفتها وظيفة التحفة الفنية الفريدة المزروعة في إحدى زوايا المنزل؛ قد تضفي على المكان ألقاً ورونقاً لكنها لا تستطيع أن ترسم الابتسامات على وجوه ساكني هذا المنزل إذا ما علتها ملامح الاكتئاب.

كما هو متوقع، وعلى العكس تماماً مما يذهب إليه بيت الشعر الأكثر شهرة وتداولاً، فإن الواقع بات يؤكد أكثر من أي وقت مضى بأن الكد المتواصل لا يولّد سوى الكد، وإن الفقر ربما يكون سمة تولد مع المرء ويكتسبها عن طريق جيناته الوراثية، ولهذا يكون من العسير التخلص من جرثومتها حتى لو قضى العمر كله كد في كد، بينما تكون المعالي، في الغالب، من نصيب اللصوص والمنافقين وورثة الأنظمة الجمهورية والدكتاتوريين والأغبياء والمهرجين والحاصدين لأصوات الفقراء في الانتخابات غير النزيهة.

تشير أحدث الدراسات في مجال طب النوم إلى أن الأشخاص الذين يحافظون على أوقات نوم منتظمة، فيذهبون إلى النوم ويستيقظون في وقت محدد، بإمكانهم أن يتمتعوا بصحة جيدة ويكونوا أكثر نجاحاً في حياتهم، مقارنة بنظرائهم في السن أو العمل الذين يكثرون من السهر في محاولة لإنجاز مضاعف.

هذه المعلومات تقع في منطقة بعيدة تماماً، قلما تطرق إليها متخصصون في علم النوم، الذين تنحصر اهتماماتهم في العادة بعدد ساعات النوم المثالية والتي ينبغي أن يلتزم بها الأشخاص البالغون، في حين، تؤكد هذه الدراسة الحديثة بأن روتين النوم والمواعيد الثابتة لها هي الأكثر أهمية على الإطلاق. وتطرّق البحث إلى أن التلاميذ الذين لديهم أنماط نوم غير منتظمة أو متقطعة، قلما يحصلون على علامات دراسية جيدة.

وهذه النتيجة، بحسب تصوري، هي الرد المناسب للشطر الثاني من الشعر (التحفة) الذي كان ومازال يمارس سلطاته على طلاب العلم وأصحاب الطموحات اللامحدودة، الذين مازالوا يواصلون الليل بالنهار ويضاعفون جهودهم في محاولات يائسة، للقفز إلى الدرجة الأخيرة من سلّم النجاح من دون الحاجة إلى الصعود البطيء، المتأني والمدروس. علينا أن نتخلص من قيود الكلمات المنمقة التي لا تؤدي إلى شيء، فالضفدع الذي يسكن في البئر طيلة حياته لا يعرف شيئاً عن المحيط!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21