من عاشر قوما

الخميس 2014/05/22

أقطن في مدينة جامعية لكنها صغيرة أيضا، وسط حي شعبي غير أنه مليء بالأجانب، طلبة من مختلف الجنسيّات الأفريقية، عاملون أتراك وأكراد، نازحون سوريون إلخ، وهذا يهمّني كثيرا لأني أريد لأبنائي أن يدركوا منذ نعومة أظافرهم أنّهم، وأنّ المغاربة أشباههم في الملة والنحلة، ليسوا وحدهم في هذا العالم، وأنّ العرب مثل أبيهم ليسوا وحدهم، وأنّ الأمازيغ مثل أمهم ليسوا وحدهم، وأنّ المسلمين أجمعين مثل عائلتهم ليسوا وحدهم؛ ذلك أن التّباغض لا يكون في العادة أو في الغالب سوى بين إخوة يتوهمون أنّهم وحدهم سكان العالم.

قبل نحو عامين تقريبا، وعلى مقربة من حينا، انضاف مستثمر إيطالي إلى ساكنة منطقتنا، جاء إلى المغرب بعد أن توفيت زوجته بسبب مرض عضال، قاصدا أن يمارس حقه الإنساني في النسيان وأن يخوض مغامرة جديدة. وهكذا أنشأ مطعما للبيتزا الإيطالية. كان يهمّني أن أعرف إلى أي مدى يستطيع هذا المستثمر النّشيط أن يؤثر في محيط راكد إلى حد الخمول أحيانا. راقبته لعدّة أيام حين كنت أحتسي عنده قهوة الصباح. وللحقيقة فقد كان مذاق القهوة جذابا بالفعل.

في البداية كان ذلك الإيطالي نشيطاً بنحو مذهل، يعدّ الوجبات بأقصى سرعة، وكأنّه يعمل في محطة ميترو وسط مدينة نيويورك، حيث ساعات العمل أصلا محسوبة بالدقائق، والثواني، وأجزاء المئة أحياناً. غير أنه مرّة بعد كل مرّة كان يلاحظ أن الزبائن ليسوا في عجلة من أمرهم، وأنهم يظهرون نوعاً من الامتعاض من عجلته.

كان بعض الزّبائن يتقن اللغة الإيطالية، وكانوا يترجمون إليه تذمرهم بعبارات عربية الأصل من قبيل “العجلة من الشيطان والتأني من الرحمان”، و”في العجلة الندامة وفي التأني السلامة”، و”اللي زربوا ماتوا” (أي الذين أسرعوا ماتوا).. ومع مرور الوقت بدأ ذلك الإيطالي ينضبط للزّمن العربي، زمن الرتابة، رويدا رويدا.

مؤخراً عُدت لزيارته بعد غيبة استغرقت عدة شهور، وجدته جالسا مع بعض الزبائن ناشرا قدميه على كرسي مقابل، وقبل أن أطلب منه فنجان القهوة كان قد فتح معي حديثا جانبيا استغرق نحو ربع ساعة تقريبا، وبعد أن طلبت قهوتي انتظرت عشر دقائق كاملة قبل أن ينهض إلى ماكينة تحضير القهوة. وبعد أن شربت قهوتي أعطيته المبلغ قاصدا الانصراف، فما كان منه إلا أن سألني بفرنسية متعثرة: لماذا أنت مستعجل؟ ضحكت وقلت له: صديقي العزيز، هذا ليس سؤالاً إيطالياً !

24