من عرسال إلى طرابلس: الإرهاب يكشف عن صورته

الثلاثاء 2014/10/28

أدخلت جبهة النصرة، وهي الجناح السوري لتنظيم القاعدة، لبنان على خط الحرب السورية في محاولة منها للانتقام من حزب الله بسبب مشاركته في القتال إلى جانب النظام السوري. كانت بلدة عرسال مسرحا لجريمة اختطاف جنود لبنانيين.

من حيث لا يريد، صار لبنان طرفا في حرب كان قد قرر منذ البدء النأي بنفسه عنها. ولكن ورقة الضغط التي استعملتها جبهة النصرة كانت قد وُجهت إلى الجهة الخطأ وفي المكان الخطأ. فما من أحد يمكنه أن يؤكد، بيقين، أن لبنان الرسمي والشعبي كان موافقا على خطوة حزب الله التي اعتبرها الكثيرون انتحارية. وهي خطوة جرّت على لبنان سيلا من جثث شبابه المأخوذين بسحر الاستشهاد دفاعا عن المراقد المقدسة. خرافة اخترعها حزب الله تفسيرا لخروجه عن الإجماع الوطني.

غير أن جبهـة النصرة، وهي منظمة متهمة بالإرهاب، حين فشلت في العثور على عدوها المفترض الـذي هـو حزب الله لجأت إلى إعـلان الحـرب على الجيـش اللبناني باعتباره عدوا بديلا، وهو ما دفعها إلى خطف أفراد مـن ذلك الجيـش وما قاد بعد ذلك إلى تصفية عدد منهـم في محاولة لبث الذعر في لبنان، وتعميق حدة الانقسام بين تياراته السياسية، المختلفـة أصلا على مسألة اشتراك حزب الله في الحرب السورية.

لقد اتخذت جبهة النصرة من مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال ستارا لها، الأمر الذي جعل الجيش اللبناني يتردد في التصدي إلى تلك المجموعات المسلحة، التي سعت إلى الدفع بالأمن اللبناني إلى الهاوية.

ولأن الأجهزة الأمنية اللبنانية قد واجهت سلوك تلك الجماعات الهمجي بالحزم الذي لم يستنفد صبره، فقد قررت جبهة النصرة أن تنقل معركتها إلى المحيط اللبناني الأكثر اتساعا، حيث لم تعد مسألة قتال حزب الله إلى جانب النظام السوري حجتها الوحيدة للقتال في لبنان، بل أضافت ما تشهده طرابلس من نشاط مسلح إلى أجندتها الميليشاوية.

وهو ما يفضح فشلها في تحويل قتالها في عرسال سببا لنقمة اللبنانيين على حزب الله، بعد أن اتخذ ذلك الحزب جانب الحيطة والحذر في التعامل مع ما يجري في عرسال، حيث صار الجيش اللبناني الطرف الرئيس المستهدف فيه.

إشعال النار في جبهة طرابلس سيكون نوعا من المحاولة البائسة لابتزاز الجيش اللبناني، من أجل الزج به في قتال ضد طائفة بعينها. وهو الأمر الذي يحرج تلك الطائفة حين يُدخلها إلى خناق ضيق تكون من خلاله بمثابة العدو المعلن لاستقرار لبنان، الساعي لاستنزاف جيشه.

إن تفجير الوضع في عاصمة الشمال اللبناني بالطريقة التي يتم من خلالها وضع الجيش اللبناني في مواجهة المناطق ذات الغالبية السنية، يكمل ما بدأته التنظيمات الإرهابية في عرسال، من جهة هدفه المكرس واقعيا.

فمَن يرغب في استهداف حزب الله ومعاقبته وإلحاق الأذى به بسبب مشاركته في الحرب السورية، لا يلجأ إلى الزج بمناطق لبنانية رافضة لتلك المشاركة في حرب مكشوفة ضد الجيش اللبناني، تكون فيه الخاسرة وطنيا، إضافة إلى ما يمكن أن يلحق بها من أضرار بشرية ومادية من جراء تلك الحرب. غير أن ما يجري في طرابلس اليوم، يفضح ما جرى ويجري في عرسال.

لم يكن حزب الله هو المستهدف في عرسال، بدليل ما تشهده طرابلس، والأهم من ذلك قيام تلك العصابات بجريمة اختطاف الجنود اللبنانيين، في حرب لم يكن الجيش اللبناني راغبا في خوضها في مناطق خصصت لإيواء النازحين السوريين.

كان موقف الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية أخلاقيا في تعاملهما مع تداعيات الوضع في عرسال، وكانا يفضلان خروج المسلحين عبر تسوية يغلب عليها الطابع الإنساني، غير أن ما يجري اليوم في طرابلس، إنما يكشف عن إصرار الجماعات المسلحة على أن يكون لبنان ساحة حرب منفصلة، يكون سنة لبنان وقودها. استراتيجية الإرهاب تتغير وتتبدل في ظل غياب العدالة الاجتماعية، ألا يشير ذلك إلى خطأ في معادلة معالجته؟


كاتب عراقي

9