من عمر بونغو وموغابي.. إلى عيسى حياتو

السبت 2017/02/11

انتهت كأس أمم أفريقيا لكرة القدم دون أن تضيف جديدا لذاكرة الرياضيين سوى عودة كبار اللعبة في القارة إلى لعب هوايتهم المفضلة في حصد الألقاب والأرقام القياسية.

لكن بعيدا عن منصات التتويج يتجه الاتحاد الأفريقي لكرة القدم إلى أن يرسّخ في أذهان الجمهور قاعدة الرئيس الذي لا يتنحى من منصبه. ففي الوقت الذي ساور فيه قلق كبير دول غرب أفريقيا من رؤية كابوس جديد من الحروب الأهلية في غامبيا بسبب تمسك الرئيس المتخلي يحيى جامع بمنصبه، كان المخضرم عيسى حياتو، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، يعمل على التجديف عكس التيار غير عابئ بالربيع الأفريقي الذي بدأ يتردد صداه في أرجاء القارة.

يصرّ حياتو على أن يكون الواجهة التي تعكس الجانب المظلم لدوائر الحكم في عدة دول بأفريقيا. وهو بإعلانه الترشح لولاية ثامنة على رأس الاتحاد، المنصب الذي يحتكره منذ عام 1988، يكون قد حذا حذو آل بونغو (عمر وابنه علي رئيسي الغابون) وروبرت موغابي دكتاتور زيمبابوي، وآل كابيلا في الكونغو الديمقراطية، وغيرهم ممن تبقى من الحلقة الضيقة من عتاة الدكتاتورية في أفريقيا.

وحتى إعلان اتحاد الكرة الأفريقي قراره الجديد بتحديد سقف الولايات في منصب الرئاسة مستقبلا بثلاث ولايات، فإن ذلك لا يعدو أن يكون سوى ذر رماد على العيون، لأن القرار لن يتم تفعيله إلا بعد الانتخابات المقبلة وهو ما سيسمح لحياتو، ليس فقط بالاستمرار في المنصب حتى عام 2021 في حال فوزه المرجح بالانتخابات المقبلة، وإنما أيضا بـ”تصفير العداد”، ما يعني الترشح لولايات أخرى لاحقا.

قد لا يمثل حياتو استثناء في منصبه قياسا لما شهده الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، حيث حافظ البرازيلي الراحل جو هافيلانج على منصبه في الرئاسة لمدة ناهزت ربع قرن ثم آل الأمر إلى مستودع أسراره جوزيف بلاتر الذي شغل المنصب بين 1998 و2015 ليغادر بعدها مكرها تحت وطأة فضائح الفساد، وما كان سيغادر لولا ذلك. لكن الفيفا نفسها اليوم بدأت باستيعاب ضرورة التغيير لإنقاذ سمعتها بعد فضائح الفساد المدوية. بينما يصر عيسى حياتو أحد النافذين من بطانة بلاتر على أن يصمّ أذنيه عمّا يحدث من حوله في أفريقيا وفي القارة العجوز مهد اللعبة.

ربما يحسب لحياتو أنه نجح في أن يحول الاتحاد الأفريقي من مجرد هيكل منظم للعبة إلى مؤسسة رأسمالية تمكنت على مدى نحو عقدين من الزمن من تحويل كرة القدم الأفريقية إلى صناعة مربحة وذات إشعاع عالمي. كما دفع وفقا لمبدأ التدوير في تنظيم “الكان”، بدول منسية إلى تحديث بنيتها التحتية في القطاع الرياضي وضخ استثمارات للتطوير.

ولكن حياتو نفسه متهم باختطاف لعبة الفقراء إلى عالم التشفير ومنطق السوق. إذ لا تكف التقارير المسرّبة للصحافة عن الحديث عن تفويته لحقوق البث التلفزيوني لشركات محتكرة للسوق ومنغصة لشغف الجماهير العريضة بكرة القدم، فضلا عن فضائح التحكيم في دورات سابقة وعلاقاته المتوترة مع اتحادات شمال أفريقيا.

صحيح أن لوائح الاتحادات القارية والدولية تشدد على مبدأ فصل السياسة عن الرياضة غير أنه، واقعيا، لا يمكن التغاضي عن أن كرة القدم ظاهرة ثقافية تتفاعل مع محيطها السياسي. وفي هذا يتناسى حياتو الدور المتنامي لكرة القدم وبصمتها الواضحة في تعزيز التسامح والتعايش ونبذ العنف والنزاعات في أفريقيا.

يذكر الأفارقة مثلا نهائيات كأس أمم أفريقيا في جنوب أفريقيا عام 1996 ودورها الرائع في تسويق الصورة الجديدة التي بات عليها البلد المنظم بعد سنوات قليلة من سقوط سياسة الأبارتهايد. كانت النهائيات مناسبة للاحتفال بجنوب أفريقيا المتسامحة وعودتها إلى حظيرة المجتمع الدولي تتويجا لنضالات الزعيم نلسن مانديلا.

إلى جانب جنوب أفريقيا حفل عصر حياتو بالكثير من التحولات السياسية في أفريقيا. تعافت رواندا بعد مجازر الهوتو والتوتسي ونجحت إثيوبيا وكينيا وبوتسوانا وعدة دول أخرى في ترسيخ أنظمة سياسية مستقرة وتحجيم دور الميليشيات العسكرية وتحقيق نمو اقتصادي. لكن مع ذلك ليس هناك من معنى لرياح التغيير في القارة، إن لم يقترن ذلك بتغيير مماثل في أكثر المؤسسات الأفريقية شعبية ونفوذا.

واليوم تبرز المفارقة في أن كأس أمم أفريقيا مثلت فعليا الحدث الرياضي والثقافي الأبرز في القارة لكنها على النقيض من ذلك فهي لا تزال تسوق لمثال سيء من سوء الإدارة واحتكار الحكم والافتقاد للشفافية. وليس غريبا أن يؤول مصير حياتو، الذي ظل مسنودا من الفيفا طيلة فترة بلاتر، إلى نفس مآل أنظمة أفريقية فاسدة ظلت بدورها حتى وقت قريب مسنودة من دول غربية نافذة.

والشاطر من اتّعظ بغيره.

صحافي تونسي

6