من غير كلام

السبت 2017/01/07

يقول الكاتب الفرنسي الحائز على جائزة نوبل جان ماري لوكلوزيو في حوار موسع أجراه معه جان لويس إيزين وترجمه محمود عبدالغني، وقد اطلعت عليه في كتاب من منشورات دار أزمنة الأردنية “إن الصمت لا ينظر إليه في المكسيك باعتباره غياباً للكلمات، بل باعتباره وسيلة أخرى للتعبير، ويمكننا مقارنة صمت هنود أميركا، بلا عنف الهنود في مرحلة غاندي.

عندما يصمت المكسيكيون، فلأن لهم أشياء مهمة يريدون قولها، ويجب فهم تلك الأشياء، حتى في السياسة، غالباً ما يكون الصمت هو الأقوى، هو من يتكلم”.

ويقول لوكلوزيو “يتم إفهام الأمور من دون قول، ويجب أن يفهم ذلك بنصف كلمة، كما يقال، وهناك أشياء تفهم من دون كلمات”. وإذ توقفت عند هذا القول، فلأن الكثيرين ممن عرفتهم، قالوا عنّي أو كتبوا، بأنني استمع إلى الآخر، أكثر مما أتحدث، رغم أني أحب أن أتكلم، ولا تنقصني القدرة على الكلام لكنني أطيل الصمت أحياناً ولأكثر من سبب، منها أن ما أستمع إليه ليس سوى ثرثرة، فأدخل في نفق الصمت، من دون أن استمع إلى ما يقال، فأشغل نفسي بالتفكير في شأن آخر، أو أن ما يُقال مهم، فأصمت مستمعاً، وأتعلم مما أستمع إليه. ومن تجربة اجتماعية طويلة، صرت أعرف أن الذين لا طاقة لهم على الاستماع، يصعب تعلمهم، وتفوتهم فرص التعلم واكتساب المعرفة والاغتناء بتجارب الآخرين.

وإذا كنا قد تعلمنا الصمت والاستماع للآخرين، بتأثير العائلة والمحيط الاجتماعي، فإننا تعلمنا من هذا المؤثر أشياء ما كان يمكننا أن نتعلمها من القراءة، ومن ثم تعلمنا، إن الكلام ليس هو العامل الوحيد للتعلم وتلقي المعرفة، بل ما كانت الكلمات الوسيلة الوحيدة لإدراك التواصل، فالاستماع إلى الموسيقى وتأمل الأعمال التشكيلية والاستماع إلى الشعر بلغات لا نعرفها أحياناً، كل هذه المفردات تفتح أبواباً واسعة على التواصل والتلقي والإدراك.

اطلعت قبل سنوات على حوار متبادل بين مبدعين تركيين كبيرين، هما الروائي يشار كمال والرسام عابدين دينو، وفي هذا الحوار الذي ترجمه محمد المزيودي، قال عابدين دينو ليشار كمال “هل تذكر أمسية قضيناها عند روجي كايوا؟ وبعد طعام العشاء اكتشفنا أنك كنت تتناقش مع روجي كايوا بحماس في ركن قصي من الصالون، مع أنه لم يكن يتحدث ولو بكلمة واحدة باللغة التركية، وأنت لم تكن تعرف كلمة واحدة في اللغة الفرنسية، ومع هذا، كنتما تتجادلان من دون انقطاع منذ فترة طويلة، ناسين حضورنا بصفة كلية، وكان حديثكما ينصب على موضوع الطائرات الورقية، كان الحديث تقنياً، وكنتما متفاهمان بشكل كامل، لقد فهمت في هذه الأمسية أن التواصل ليس له علاقة بالمفردات”.

أنا شخصياً، عرفت يوماً مثل هذه التجربة، ففي زيارتي الأولى إلى أذربيجان، التقيت الشاعر نبي خزري، ولم أكن أعرف كلمة واحدة من اللغة التركية، ولم يكن يعرف اللغة العربية، لكننا صرنا صديقين، وكنا نتجول ساعات طويلة في النهار وفي الليل، ولم يشاركنا في جولاتنا شخص آخر، وكان يمر بي حيث أقيم في الفندق، ونكمل جولاتنا من دون ملل، سعيدين متفاهمين من دون حاجة إلى اللغة.

وإلى الآن، حين أضطر إلى الحديث، في جلسة ما، أو في لقاء مع آخرين، أشعر بعدم الرضى بعد انتهاء اللقاء، وأشعر بالسعادة حين أكون مستمعاً، فأستفيد مما سمعت من الآخرين، وأكتشف أن الحديث حين يطول يكون أكثر سطحية ويكثر فيه التكرار.

كاتب من العراق

16