من فضلكم الصورة أولا

الأربعاء 2015/03/04

من حق السينمائيين الشباب أن يمارسوا التجريب في السينما، وأن يستخدموا الكاميرا كما يشاؤون، وأن يكتبوا ويبتكروا السيناريوهات التي تشبع خيالهم، كما أن من حقهم اكتشاف مناطق جديدة، قد تكون مجهولة فيما نطلق عليه “لغة السينما”.

وفي المقابل فإن الشرط الوحيد والمطلوب الالتزام به كضرورة أساسية لمشاهدة أيّ فيلم، هو شرط جودة الصورة، أي إنتاج صورة تتمتع بمواصفات تصلح للعرض على الجمهور، فأنت في نهاية الأمر لا تصنع الأفلام لنفسك أو لكي تعرضها على أهل بيتك وأصدقائك، بل لا بدّ لها من الوصول إلى الجمهور بأيّة وسيلة من وسائل العرض المتاحة حاليا ولو عبر شبكة الإنترنت.

أما أن تكون الصورة ذات مواصفات لا تصلح للمشاهدة أصلا، عندئذ لا يصبح هناك أيّ معنى لما هو موجود داخل الفيلم من مضمون أو رسالة أو قضية لها أهميتها، ومهما كانت عفوية الصور واللقطات، فلا بدّ أن تتمتع بدرجة من النقاء والوضوح تسمح بعرضها ومشاهدتها.

هذا للأسف ما يفتقده عدد كبير من الأفلام التي يصنعها المخرجون العرب الشباب، بدعوى أنه ليس من الضروري أن تكون الصورة واضحة ومستوية وتتمتع بدرجة ما من الإضاءة، تسمح بالتعامل معها بصريا.

كانت فكرة السينما الخشنة في الماضي، في ستينات القرن العشرين، ترتبط بظهور “السينما الثورية” التي نشأت في غابات أميركا اللاتينية، تلك السينما النضالية التي رفعت وقتها شعار “الكاميرا- سلاح” أي أو كما قال غودار، “تطلق 24 طلقة في الدقيقة”، إشارة إلى كون الكاميرا السينمائية تلتقط 24 صورة في الدقيقة الواحدة، وكانت هذه الأفلام تصوّر وسط معارك الغابات بين القوات الحكومية والثوار اليساريين.

كان التصوير في تلك الفترة يتمّ سرا وباستخدام كاميرات عتيقة من مقاس 16 أو 8 مم، ولم تكن تتوفر تقنيات حديثة متقدمة للتحميض والطبع، ولذلك سادت الصورة المهتزة المظلمة المليئة بالحبيبات. وربما أصبح هذا الطابع للصورة جزءا من فكرة الفيلم الثوري وقتذاك.

أما اليوم فقد تغيّر الحال، وأصبح من الممكن استخدام الكاميرات الرقمية الدقيقة من زوايا معينة، لا يمكن اكتشافها ويمكنها بالتالي أن تلتقط الأحداث الساخنة وقت وقوعها دون مشاكل كبيرة، كما لم تعد الأفلام المصورة بهذه الطريقة في حاجة إلى تحميض وإظهار ثم طباعة، بل أصبح يمكن عمل المونتاج والتجويد وإدخال المؤثرات والموسيقى وغيرها عن طريق الكومبيوتر، ثم إرسال الفيلم بالبريد الإلكتروني كملف ضوئي، يمكن تخزينه على إسطوانات أو على شرائح الذاكرة وعرضه على الجمهور.

وهذه الكاميرات تنتج صورا ذات درجة عالية من الوضوح والنقاء، ولم يعد بالتالي من الممكن قبول الفيلم الباهت أو المظلم، والصور المهتزة، بدعوى أنه فيلم “ثوري” فمن دون صورة واضحة لا يوجد فيلم، أليس كذلك؟


ناقد سينمائي من مصر

16