من قال إن العمل الفني يجب أن يكون جميلاً؟

النحات التونسي زيد عسل يثير الجدل متفوقا على أعمال مسرحية ودرامية في بلد يحتل المسرح فيه مكانة متميزة عن باقي الأشكال الفنية.
الجمعة 2020/02/21
عمل اكتمل بالجدل الذي أثير حوله

كيف يمكن لنا قراءة عمل فني، أثار الكثير من الجدل والغضب بين سكان مدينة، وأجبر المسؤولين فيها على الاعتذار ورفع العمل من المكان المخصّص له؟ الأعمال المميزة وحدها لها القدرة على إثارة هذا الكم من الاحتجاج، لأن الناس عادة لا ينسون عملا يسلط الضوء على العيوب. وهذا ما فعله النحات التونسي زيد عسل الذي أهدى لنا عيوبنا.

لم يستطع فنان تونسي أن يثير من الجدل مثلما أثاره النحات التونسي زيد عسل، متفوقا حتى على أعمال مسرحية ودرامية في بلد يحتل المسرح فيه مكانة متميزة عن باقي الأشكال الفنية.

والآن بعد مرور أكثر من عام على الحدث الذي أثار استهجان عدد كبير من سكان مدينة غمراسن في محافظة تطاوين (جنوب تونس)، حول المجسم الذي وضع بمدخل المدينة ورأوا فيه إساءة للذوق العام، ولم يضف أيّ مسحة جمالية على المكان، بل اقترن بتأويلات مثيرة للاشمئزاز، لا تزال تهمة الإساءة للذوق العام تلاحق الفنان.

انتقاد وسخرية

رافقت وضعَ المجسم في مدخل المدينة الجنوبية حملة انتقادات وسخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب الشكل الموحي الغريب للعمل المنفذ من قوارير بلاستيكية، ونفايات أخرى.

وإنصافا للفنان زيد عسل، لا بد من التذكير بالتصريح الذي أدلى به لوسائل الإعلام، وأراد من خلاله أن يدافع عن قيمة عمله الفني، خاصة بعد أن رضخت بلدية المدينة لمطالب السكان وأسرعت برفع المجسم من مكانه.

في تصريحه أكّد النحات عسل، أن هذا العمل جاء في إطار حملة توعية قامت بها بلدية غمراسن، وحملة نظافة تم خلالها تجميع الفضلات والقوارير البلاستيكية. وتم استخدام تلك النفايات في تنفيذ العمل، وأوضح النحات أن المجسم مدروس وله رسالة أريدَ منها أن تكون رسالة صادمة، وأن ما قام به كان تطوّعا لم يتقاض عليه أي مقابل. وشدّد الفنان حينها على أنه نجح في إيصال رسالته، مستشهدا بالجدل الذي رافق عرض العمل.

من قال أن الفن عمل جميل؟ الذين قالوا ذلك، هم من يتحملون مسؤولية التلقي المغلوط لعمل الفنان المبدع زياد عسل.

اعتدنا عندما نتحدث في النقد الفني أن نستخدم عبارة “علم الجمال”، وهي ترجمة اتفق عليها لكلمة “استاطيقا”، باللغة الإنجليزية Aesthetics، وأصل الكلمة بالطبع من اللغة اليونانية. ومنذ ذلك اليوم دأبنا على الربط بين العمل الفني وبين الجمال. هذا الربط بين العمل الفني والجمال، لم يدفع ثمنه الفنانون فقط، بل دفعه الجمهور المتلقي، الذي يقف أمام العمل باحثا عن عنصر الجمال فيه، بالمعنى السطحي لكلمة جمال، يستوي بذلك عمل من أعمال فناني عصر النهضة أو عمل لفنان من غمراسن.

دوشامب مشهور عنه عمله الفني لمبولة أسماه النافورة، متحديا الفكر التقليدي حول مفهوم الإبداع الفني
دوشامب مشهور عنه عمله الفني لمبولة أسماه النافورة، متحديا الفكر التقليدي حول مفهوم الإبداع الفني

الاستاطيقا هي فرع من فروع الفلسفة، وأول من استعملها في مجال النقد الفني، هو الفيلسوف بومجارتن، 1714 – 1762، في كتابه “تأملات فلسفية”، حيث فرّق بين النقد الفني من حيث هو دراسة للقيم الفنية، وبقية المعارف الإنسانية.

اليوم تستخدم كلمة استاطيقا في مواضيع تتعلق بالفن والذوق، لتُعرف على أنها دراسة للقيم العاطفية، التي تسمى أحيانا الأحكام الصادرة عن الشعور، واتفق الباحثون على أنها التفكير النقدي في الثقافة والفن.

هربرت ريد، عرّف الاستاطيقا بأنها وحدة العلاقات الشكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا، أما هيغل، فرأى فيها “الجني الأنيس الذي نصادفه في كل مكان”، وعرّفها جون ديوي، بفعل الإدراك والتذوّق للعمل الفني.

أول من ثار على “علم الجمال” هم الفنانون الدادائيون، المنتمون إلى حركة عرفت باسم “دادا” تبنت شعار “لا للفن”، وهدفت إلى محاربة الفن بالفن. أراد الدادائيون تجاهل علم الجمال، ورأوا أن الفن هو ما يوصل رسالة ويحمل رمزا.

لم يقدّم الفنانون المنتمون إلى تلك المدرسة تفسيرا للعمل الفني، تركوا الأمر للمتلقي يفهمه كيفما شاء. ورغم سعي “دادا” لتحطيم المفاهيم الجمالية التقليدية، إلّا أن أثرها على الفن الحديث عميق يمكن تتبّعه إلى اليوم.

محاربة الفن بالفن

رأى نقاد الفن في الحركة “ظاهرة انفجرت في وجه الأزمات السياسية، والاقتصادية، والأخلاقية، واعتبروها المنقذ الذي سيبدّد كل هذه المشاكل”. العقل هو ما جرّ الناس إلى الحرب، والطريق الوحيد للخلاص هو رفض كل ما هو تقليدي وتبني منطق الفوضى والرفض.

سرعان ما تحوّلت الحركة، التي ظهرت بداية في سويسرا، وبرزت في القترة ما بين عامي 1916 و1921، إلى حركة عالمية أثّرت على كل ما له علاقة بالفنون البصرية، الأدب، الشعر، التصوير الفوتوغرافي، نظريات الفن، المسرح والتصميم. وانشقت عنها فيما بعد الحركة السوريالية، التي نشأت في حجر الدادائية وتفرّعت عنها. من أبرز رموز الدادائية الفرنسي مارسيل دوشامب، الذي انتهى سرياليا، واعتبر من قبل البعض أهم فنان في القرن العشرين. وقد ساهمت أعماله في ازدهار الفن الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى.

تحدى دوشامب الفكر التقليدي حول مفهوم الإبداع الفني، وتسويق الفن، ليس عبر الكتابة، ولكن عبر أفعال هدامة. ومشهور عنه عمله الفني لمبولة أسماه النافورة.

لم ينته تأثير “دادا” مع أفول نجم السريالية، بل استمر ليتجدّد في خمسينات القرن الماضي، مع ظهور ما يعرف بالفن المفاهيمي في بريطانيا، وهو فن امتزجت فيه المفاهيم بالأعمال، وتحتل الفكرة فيه الأولوية على الاهتمامات المادية والجمالية التقليدية.

عندما يستخدم الفنان نموذجا مفاهيمي للفن، فإن ذلك يعني أن جميع عمليات التخطيط وصنع القرارات تمّت مسبقا، وتصبح الفكرة هي الآلة المنتجة للفن.

ويمكن للفنان إنجاز أعمال مفاهيمية باتباع مجموعة من التعليمات المكتوبة. وكان هذا من الأساليب الأساسية التي اتبعها الفنان الأميركي، سول لويت، واستخدمت في تعريف الفن المفاهيمي.

يؤكد توني جودفري، مؤلف كتاب “الفن المفاهيمي” أن الفكرة التي طرحها، جوزيف كوسيث، في كتابه “الفن وراء الفلسفة” عام 1969، هي بمثابة بيان مبكر للفن المفاهيمي، تحدث فيه عن ضرورة قيام الفن بمراجعة طبيعته الخاصة.

ومع ظهور الفن القائم على اللغة، بدأ فنانو المذهب المفاهيمي أمثال جوزيف كوسيث ولورنس وينر والمجموعة المعنية بالفن واللغة  البريطانية، في طرح تساؤلات أكثر راديكالية حول طبيعة الفن. ومن أهم القضايا التي أثاروا التساؤلات حولها الافتراض الشائع بأن دور الفنان يتمثل في خلق أنواع خاصة من الأشياء المادية.

ارتبط التيار المفاهيمي بالشباب خصوصا، واستطاع البعض منهم خلال تسعينات القرن الماضي، الحصول على “جائزة تيرنر”، ولاسيما في المملكة المتحدة، ليكون ذلك بمثابة إقرار رسمي بأهمية أعمالهم.

من حق زيد عسل، الذي أثار كل هذا الجدل أن نعرّف به، فهو نحات بدأ مسيرته الدراسية في كلية الحقوق، قبل أن يهجرها إلى دراسة الفنون، ويختصّ بالنحت على الحجارة والرخام، وينتهي بجذوع أشجار الزيتون مبدعا أعمالا تميّزت بحب الطبيعة. إنها علاقة لمس للخشب ورائحة ألفها منذ أن كان صغيرا، يراقب والده صانع الكراسي منكبا على عمله داخل المشغل.

من سوء حظ النحات التونسي زيد عسل، أنه أنجز مجسما وضع في المكان الغلط في الزمن الغلط. ما قدّمه زياد هو بكل المقاييس عمل فني يستحق التقدير، لا أن ينزع من مكانه. العمل لم يثر الجدل فقط بسبب قيمته الفنية، بل لأنه شكل إدانة تحمل أبعادا مفاهيمية، أكرهت سكان المدينة والعاملين في بلديتها على مواجهة مشكلة تلوث البيئة.

عمل زيد عسل اكتمل بالجدل الذي أثير حوله، وخلّد برفعه من مكانه. لن ينسى الناس عملا أهدى لهم عيوبهم.. شكرا زيد.

17